وضاح خنفر: الدولة العربية العميقة تأكل نفسها

مدونات ثورات الربيع العربي
الربيع العربي في ميدان التحرير بمصر (رويترز)

نجاح الدولة العميقة بالمنطقة العربية في قطع مسيرة الربيع العربي كلفها تدمير نفسها، ومهما بلغ قمع النظم العربية المتسلطة وتدميرها وعنفها ضد المجتمع، فلن تستطيع إعادة مارد التغيير إلى قمقمه.

ورد ذلك في مقال للكاتب وضاح خنفر بمجلة نيوزويك الأميركية، أوضح فيه أيضا أن قيم المجتمع الدولي وأعرافه ومصالحه سيتم تبنيها وخدمتها بشكل أفضل إذا دعم هذا المجتمع التغيير في الشرق الأوسط.

وفي مستهل المقال المنشور بعنوان "الدولة العميقة تأكل نفسها"، وصف خنفر -الذي كان يتولى إدارة شبكة الجزيرة الإعلامية- اللحظة التي ابتهج فيها الشعب المصري بالإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك قبل ثماني سنوات بأنها كانت لحظة نادرة، لأن نقاط التحول في التاريخ السياسي بالشرق الأوسط منذ ظهور نظام الدولة الحديثة، كانت في الغالب منتجة لليأس، ولحظات الأمل فيها نادرة.

أكثر خطرا واستبدادا
واعتبر خنفر سقوط مبارك وحدوث الربيع العربي بشكل عام من هذه النوادر، حيث انتصر الشعب في كل مناحي الحياة، لكن تلك اللحظة المشرقة من الأمل أعقبها طوفان مضاد للثورة، ولذلك أصبح العالم العربي أكثر خطرا واستبدادا اليوم من أي لحظة في تاريخه الحديث.

وأشار الكاتب إلى أن التسلسل الزمني والتاريخي للانتفاضات العربية بات واضحا للجميع الآن، لكن معنى الربيع العربي وطبيعته لا يزالان موضع خلاف ومفتوحان لإعادة التركيب بأثر رجعي، والإجابة عن سؤال: ما الذي تمثله هذه الانتفاضات؟ صعبة هي الأخرى.

ويقول خنفر إن الإجابة عن السؤال المطروح مثلها مثل "ورقة دوار الشمس" الاختبارية، بمعنى أن أي إجابة ستشير إلى موقف صاحبها من الصراع بين الشعب والسلطة، وبين المجتمعات والأنظمة في المنطقة.

بلورة الفشل والفساد
ويرى خنفر أن الربيع العربي حمل عناصر تكوينية وعناصر مدمرة، وأن هذه الانتفاضات بلورت فشل الدول العربية وفسادها وفقدانها للشرعية، وبهذا المعنى مثلت هذه الانتفاضات زوال الدول العربية ونهايتها.

وعلى جوانب التكوين والتغيير، يقول الكاتب إن هذه الانتفاضات بعثت خيالا وسيكولوجيا سياسية جديدة، مكنّت الشعوب وأذنت بفترة جديدة من المثالية. وكانت الفرضية الرئيسية لهذه المثالية: الشباب -وهم يتمتعون بخيال جديد- لديهم القدرة على إعادة تشكيل الدولة في العالم العربي بتوفير قدر كبير لها من الشرعية الديمقراطية، وتزويدها بالأدوات الكافية للحكم الرشيد.

وهذه المثالية -كما يشير الكاتب- سرعان ما ثأرت منها الدولة العربية العميقة وقوى الثورة المضادة. وكانت الدول العميقة في العالم العربي -وما زالت- لديها عنصران مكناها من النجاة من مثالية الشباب، ألا وهما السيطرة على أجهزة الأمن الاستبدادية والدعم الدولي الواسع. وهذان العنصران هما الحدود التنافسية -وليسا الحدود الحاسمة- التي كانت لدى الأنظمة القديمة مقابل قوى الربيع العربي.

تدمير الذات
وبالرغم من انتصارها الأولي، لم تكن عودة الثورة المضادة سلسة بالنسبة للدولة العربية العميقة. وبغض النظر عن توجيهها ضربة إلى الخيال الجديد للشباب العربي ومثاليته، فإن هذه العودة نفسها شكلت تدميرا كاملا للدولة العربية ولزعمها التمتع بالشرعية. ولمنع التغيير كان عليها أن تستخدم وسائل أكثر قسوة من القمع والتدمير.

‪الاستبداد المتطرف للدولة العربية عجل في تفكيكها وتدهورها وانهيارها‬ الاستبداد المتطرف للدولة العربية عجل في تفكيكها وتدهورها وانهيارها (الجزيرة)‪الاستبداد المتطرف للدولة العربية عجل في تفكيكها وتدهورها وانهيارها‬ الاستبداد المتطرف للدولة العربية عجل في تفكيكها وتدهورها وانهيارها (الجزيرة)

وأورد الكاتب إحصاءات للقمع الوحشي، من القتل والسجن والتغييب القسري، لنظام المشير عبد الفتاح السيسي في مصر ضد معارضيه، وتشجيع ما أسماه "النوع الجديد من الاستبداد" المصري، للنظام السعودي على شن حملة ضد كل المدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة النساء.

ومع ذلك، يقول خنفر إن الاستبداد المتطرف الجديد للدولة العربية لم يعد عليها إلا بتسريع تفككها، واضمحلالها واحتمال انهيارها. كذلك أدى هذا الاستبداد إلى عصر من الإرهاب مع نتائج وخيمة على جوهر الدولة.

فالحروب الأهلية، وهجرة رأس المال والبشر، وانعدام الثقة في المستقبل، والفقر المدقع، قد أصبحت سمات لهذا الفصل الجديد من تاريخ الشرق الأوسط، وهي سمات لا يمكن الدفاع عن وجودها.

وخلق هذا التدمير الذاتي للدولة العربية العميقة فرصة لرؤية وخيال سياسي جديدين، يمكن تغذيتهما أكثر بنضوج سياسي لقوى الربيع العربي وبالدعم الدولي.

النضج السياسي
وعلى الصعيد الداخلي، فإن أحد العناصر الأساسية للنضج السياسي هو بناء تحالفات عابرة للخطوط الأيديولوجية وخطوط التقسيم الأخرى. وينبغي على قوى الربيع العربي إدراك أن هذه الثورات لم يكن لها لون واحد ولم تكن حكرا على جماعة واحدة، بل كانت لصالح الشعوب العربية عموما.

وأضاف الكاتب أن قوة هذه الثورات وحيويتها جاءتا إليها من تعدد ألوانها وعدم إقصائها للآخرين، ويجب أن ينعكس هذا التنوع والروح غير الاقصائية عبر الإجماع وبناء التحالفات على المستوى السياسي.

وخارجيا، ينبغي أن يدرك المجتمع الدولي أن الربيع العربي لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل بدأ -مع الخيال الجديد والقوة الدافعة الجديدة- تغييرا فعليا للمشهد السياسي والمجتمعي في العالم العربي. فقد جعل الأنظمة المستبدة أكثر هشاشا وخوفا مما كانت.

واستشهد الكاتب بما قالته صحيفة غارديان البريطانية بعد منع النظام المصري ارتداء السترات الصفراء عقب الاحتجاجات في فرنسا، بأن هذا المنع يظهر مدى الخوف وانعدام الشعور بالأمن اللذين أصابا هذه الأنظمة، وهو اختلاف كبير للاستبداد بالمنطقة بين ما قبل الربيع وما بعده.

المصدر : نيوزويك