وثيقة الفكر السياسي لإخوان الأردن.. هل تعيد ولادتهم؟

أنصار جماعة الإخوان المسلمين في مظاهرة مؤيدة لغزة بالعاصمة الأردنية عمان (الأوروبية)
أنصار جماعة الإخوان المسلمين في مظاهرة مؤيدة لغزة بالعاصمة الأردنية عمان (الأوروبية)

محمود الشرعان-عمّان

أربع سنوات عجاف وربما أكثر، تلك التي تعيشها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، بعد نزع قانونيتها وإغلاق مقراتها والاعتراف بجمعية الإخوان "المرخصة" لصالح مفصولين من الجماعة.

وتعيش الجماعة سنوات مريرة بعد عِشرة طويلة مع النظام الأردني، لكن العلاقة دخلت إلى نفق معتم عقب لعبها دور المعارضة في الشارع الأردني خلال سنوات الربيع العربي.

هذا الدور انتهى بقرار سياسي يقضي بما يشبه الحظر بعد خمسين عاما من العمل داخل المملكة، وتمثلت الضربة الأقوى في إغلاق مقر الحركة الرئيسي الذي افتتحه الملك الأردني عبد الله الأول.

بعد انشقاقات عميقة داخلها، بدأت الجماعة تأسيس "جمعية جماعة الإخوان المسلمين" على يد مراقبها العام الأسبق عبد المجيد ذنبيات، بدعوى فك الارتباط بين جماعة الإخوان في الأردن وتنظيم الجماعة في مصر، لحقها إعلان مبادرة "زمزم" التي طرحت رؤية للإصلاح، وقادها رحيّل الغرايبة وحصل على ترخيص رسمي لإنشاء حزب باسم "زمزم".

الفلاحات: تعريف الجماعة لنفسها لا جديد فيه سوى أنه مكتوب ومعلن (مواقع التواصل)


أزمة حقيقية
قبيل ذلك، ظهرت مبادرة باسم "الشراكة والإنقاذ" على يد المراقب العام السابق سالم الفلاحات يدعو فيها للإقرار بوجود أزمة حقيقية داخل الجماعة، غير أنها لم تلق القبول وتحولت إلى حزب سياسي في 2018.

ظروف الجماعة الداخلية والعلاقة المعقدة مع النظام الأردني، إضافة إلى التغيرات المتسارعة بالمنطقة، أجبرت الحركة الإسلامية الأكبر في الأردن على إعادة تعريف نفسها من خلال وثيقة الفكر السياسي التي لم تنشر حتى الآن.

هذه الوثيقة التي اطلعت الجزيرة نت على بعض مضامينها، تعيد من خلالها الحركة تعريف نفسها في 11 صفحة، بنصوص محددة ستترجم إلى عدة لغات، حسب ما كشف عنه أمين سر الجماعة رامي العياصرة.

ويذهب العياصرة إلى شرح تعريف الحركة الإسلامية (الجماعة والذراع السياسي لها حزب جبهة العمل الإسلامي) المتضمن بالوثيقة، إذ يقول "إنها حركة وطنية بالبعد الوطني المحلي الأردني، الذي لا يتعارض مع الشأن العربي والإسلامي".

ويضيف أن الوثيقة تجلي صورة المنطلقات السياسية للجماعة بشكل واضح بعيدا عن الاجتهادات الشخصية، وترسخ الوضع الداخلي للجماعة بعد إصدارها، لتصبح مرجعية، وإظهار نفسها للخارج بفكرها السياسي.

ويؤكد أن "الوثيقة ملزمة لأفراد الجماعة حال صدورها، وتعطي الآخرين صورة عن الجماعة، بما فيهم مؤسسة العرش في المملكة، والتيارات السياسية العلمانية واليسارية"، فهي تقدم فكر الجماعة كما هو، وهي جزء من مرجعيات قائمة، وتأتي لتوحيد الخطاب السياسي، بالإضافة إلى أنها تختلف عن الموقف السياسي للجماعة.

العياصرة: الوثيقة تجلي المنطلقات السياسية للجماعة بشكل واضح (الجزيرة)


الإسلام هو الحل
الشعار التاريخي "الإسلام هو الحل" الذي ارتكزت عليه الجماعة على مدى سنوات طويلة، لم تتطرق إليه الوثيقة، إلا أن العياصرة يؤكد عدم التنازل عنه، ووجوده في الأداء من خلال تطبيقه والدعوة إليه، بيد أنه يعترف بغيابه في لحظات الالتقاء مع الآخر مثل الانتخابات البرلمانية الأردنية الأخيرة وظهور شعار "التحالف الوطني للإصلاح".

يحاول أمين سر الجماعة في حديثه عدم التقيد بالمصطلحات الأصولية للحركة، وبالمقابل يبتعد عن استخدام المصطلحات التجديدية، فيعبر عن إمكانية فصل العمل الدعوي عن السياسي بأن المسألة خاضعة للنقاش داخليا، وأنه لغاية الآن لم يتبلور موقف واضح حيال ذلك، ليؤكد "إن حدث ذلك فستأخذ نموذجا مختلفا عن التجربة المغربية أو التونسية".

الوثيقة التي أعلن عنها المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين عبد الحميد الذنيبات في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تتضمن عناوين عدة أبرزها: المصالح الأردنية العليا، وموقف الجماعة من الدستور الأردني والمشاركة السياسية والمعارضة، وموقفها من حق مقاومة الاحتلال، وغيرها.

يشرح العياصرة العنوان الأبرز في الوثيقة وهو إيمان الحركة الإسلامية بأن العلاقة مع مؤسسة العرش الأردنية يحكمها الحوار والتفاهم كمدخل صحيح للعلاقة بشكل عام، وينتقل إلى توضيح مفهوم "مؤسسة العرش" التي تشكل نقطة إجماع وطني للاستقرار الأردني ضمن رؤية الوثيقة.

أبو هنية: معظم حركات الإخوان المسلمين أعادت تعريف نفسها بعد الربيع العربي (مواقع التواصل)

منظور الخلافة
ويعلق الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية على كلام العياصرة، بأن معظم حركات الإخوان المسلمين في الوطن العربي أعادت تعريف نفسها بعد ثورات الربيع العربي، إذ كانت تعرف نفسها أنها حركات إسلامية تتجاوز الأطر الوطنية والقومية، لذلك كانت دائما تنشد بمنظور الخلافة كنموذج للحكم.

ويقول أبو هنية إن الحركات الإسلامية في الوطن العربي تطورت شيئا فشيئا منذ تسعينيات القرن الماضي، مثل العدالة والتنمية الذي ولد من حزب الفضيلة الإسلامي في تركيا، وحركة النهضة في تونس، والتنمية والعدالة المغربي الذي خرج من رحم حركة التوحيد والإصلاح، وهي حركات متقدمة.

ويرى الأمين العام السابق للجماعة سالم الفلاحات الذي قدم مبادرة "الشراكة والإنقاذ" وانشق فيما بعد لتكون شعارا لحزب جديد، أن الوثيقة تأخرت كثيرا.

ويعتقد أن التعريف لا جديد فيه سوى أنه مكتوب ومعلن، فمن خلال مراجعة ما كتبه الأستاذ حسن البنا حول الوطنية يمكن إيجاد إجابة واضحة لا لبس فيها ولا جديد فيما يطرح اليوم.

وبشأن الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، يقول إن المسلم لا يمكنه أن ينفك عن السياسي، ولكن ربط الحزبي بالدعوي هو محل بحث ويجب مراجعته، وأصبح ملزما منذ فترة طويلة.
المصدر : الجزيرة