تعز أيقونة الثورة السلمية.. هكذا شوهتها الحرب

تعز أيقونة الثورة السلمية.. هكذا شوهتها الحرب

الأديمي في حي الأخوة بتعز (الجزيرة نت)
الأديمي في حي الأخوة بتعز (الجزيرة نت)

عبد الحكيم هلال-تعز

لا تكاد شوارع تعز اليمنية، منبع ثورة فبراير/شباط 2011 السلمية، تخلو اليوم من مظاهر مسلحة في مشهد بات متكررا ومألوفا في المدينة التي عُرفت بأنها مدينة العلم والثقافة قبل اندلاع الحرب بالمدينة.

شارع جمال عبد الناصر -أكبر وأهم شوارع المدينة الذي شهد حشود المتظاهرين السلميين على امتداده- كان قد تحول هو الآخر إلى ميدان لاستعراض القوة، ومرتعا للاشتباكات المسلحة بين الحين والآخر بين الفصائل المتصارعة.

وعلى بعد كيلومترات من هذا الشارع وفي الجهة الشرقية من المدينة، تأبط مزهر الأديمي (القيادي السابق بالثورة الشعبية السلمية بتعز وعضو اللجنة الأمنية بالمحافظة حاليا)- سلاحه "الكلاشنكوف" الروسي الصنع استعدادا لأخذنا بجولة يستعيد فيها شريط ذكريات الثورة السلمية والبدايات الأولى للمعارك المسلحة التي خاضها ضد مليشيات الحوثي إبان انتشارها قبل أربع سنوات بالمدينة.

عمال بناء في طريقهم للعمل في ظروف اقتصادية خانقة وشح في لقمة العيش (الجزيرة)

من السلمية للقتال
قبل ثماني سنوات من الآن، عندما انطلقت ثورة 11 فبراير/شباط 2011 من تعز، لم يكن حال الأديمي كما هو عليه الآن، فآنذاك كان الرجل المعروف باسم "الشيخ مزهر" -لامتلاكه عيادة خاصة للعلاج بالقرآن الكريم- يخوض مع شباب تعز معركة أخرى في ثورة سلمية لإسقاط نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

وفي "ساحة الحرية" كان المناضل الخمسيني يستخدم وجاهته وتأثيره في اقناع المعتصمين بعدم الانجرار إلى العنف "مهما واجهوا من عنف النظام واستفزازه". غير أن هذا الحال لم يكن ليستمر طويلا كما كان يأمل.

"كنا نريدها ثورة سلمية نظيفة، لكنها للأسف الشديد تحولت إلى العنف بعد أن ازداد القمع ووصل الأمر إلى قتل المعتصمين وإحراق الساحة" يقول الأديمي.

ويضيف للجزيرة نت "هنا، بدأ بعض الشباب ممارسة حقهم في الدفاع عن النفس، ودخلت الثورة في منعطف خطير لم نكن نريده بتحولها من ثورة سلمية إلى مقاومة لتفادي القتل والاعتداءات التي طالت المعتصمين بدون رحمة".

لكنه أكد أن ذلك استمر فقط لفترة معينة وفي أماكن محدودة جدا حيث كان يتطلب الدفاع عن النفس ومنع الاعتداءات، وليس كوسيلة وهدف لإسقاط النظام بالقوة.

ارتفع الطلب على الحطب كثيرا للاستخدام المنزلي بعد النقص الحاد في غاز الطهي (الجزيرة)

تحولات متسارعة
واليوم بعد دخول المليشيات أصبح لا يفارق الكلاشنكوف منذ تحوله قبل أربع سنوات إلى قائد ميداني لمجاميع شبابية مسلحة في حيه، خاض بهم معارك شرسة لتطهير وطرد مليشيات الحوثي وصالح من أحياء المدينة، تعرض خلالها للإصابة خمس مرات، وما تزال هناك شظيتان مستقرتان في جسده منذ سنتين.

حين وصلنا بالسيارة إلى منطقة في الحي الجمهوري، أشار الأديمي إلى بيت مدمر يعتلي تلة صغيرة قال إنه كان مقرا لقيادة العمليات في الحي.

وأضاف وهو يشير إلى الجهة القريبة المقابلة "وهنا استشهد ولدي الحبيب حمزة". حدث ذلك في السنة الأولى من القتال (2015) وكان عمره نحو 19 عاما قبل أن تسقط قذيفة "أطلقها الحوثيون على بعد أمتار من منزلنا فأردته قتيلا".

وصلنا إلى فيلا فارغة ونصف مدمرة تتبع تاجرا شهيرا، سلم على الحارس ودخل حتى وصل إلى سيارة محترقة، قال لي "هذه سيارتي التي أحرقها الإرهابيون الذين كنا نطاردهم مع اللجنة الأمنية، وتمكنا مؤخرا من طردهم من مناطق الجبهة الشرقية".

أحداث مفصلية
ثماني سنوات مرت على ذكرى انطلاق الثورة اليمنية من تعز، تخللتها أحداث مفصلية كثيرة، كانت أسوأها هذه الحرب التي أخرجت المدينة من سلميتها إلى العنف وحولت معظم أبنائها من طلاب وعاملين بمهن مدنية مختلفة إلى مقاتلين أشداء.

ويعتقد الكثيرون هنا، بينهم التربوي حسين المقطري الذي يعمل موجها بالتربية والتعليم، أن تعز اليوم تدفع ثمن ريادتها ثورة إسقاط نظام المخلوع وحلمها بسيادة الحرية والعدل والقانون، مضيفا للجزيرة نت "لهذا السبب فُرض عليها أن تدفع الثمن غاليا".

ولاحقا، بعد انقلاب الحوثي على السلطة الشرعية في سبتمبر/أيلول 2014، رفضت تعز التسليم الطوعي على عكس غيرها من محافظات الشمال التي سلمت دون قتال.

فحمل أبناء تعز السلاح قسرا لمواجهة زحف وتمدد مليشيات الحوثي التي اعتبرها الأديمي "وريثا غير شرعي لنظام صالح العائلي الفاسد". إلا أن الحوثيين في نظره أكثر خطورة كونهم يؤمنون بأن الحكم والسلطة ملك حصري لسلالتهم "كحق إلهي".

وأضاف "سعى الحوثي إلى قتل كل أبناء تعز دون تفريق بين مدنيين مسالمين ومقاتلين، وعمل على تدمير كل شيء، بما في ذلك المدارس والمساجد، فاضطررنا لحمل السلاح ومواجهته كي لا ندفع الثمن باهظا كما دفع غيرنا ضريبة سكوتهم وتخاذلهم".

ازدحام المواطنين أمام البنوك مشهد متكرر في تعز (الجزيرة)


وارتبط اسم كتائب أبو العباس في تعز بالإمارات، وتتهم الكتائب بالسعي للسيطرة على مواقع تضرب منها تجمعات الجيش الوطني والمقاومة، وبممارسات لتشكيل حزام أمني في تعز كما هو الحال في عدن، الهدف منه القضاء على حزب التجمع اليمني للإصلاح وخلط الأوراق داخل المدينة.كتائب الإمارات
وحين تدخل التحالف العربي -بحسب الأديمي- هللت تعز وتشجعت وواصلت معاركها بقوة دون استسلام، غير أنها صُدمت حين تعاملت الإمارات معها كمشكلة خاصة لرفضها الرضوخ والسير على منوال مثيلاتها من محافظات الجنوب، والتحول إلى ذراع مسلح تابع يتيح لها التصرف باسمه وعبره لبسط سيطرتها لتحقيق وإدارة مصالحها الجيوسياسية دون منغصات مستقبلية.

ولا يشكك الأديمي في وجود "استهداف واضح لتعز" فهناك كما يؤكد "جهات في التحالف لا تريد حكومة قوية ومستقلة بقرارها، وهي تعرف أن تعز مدينة العلم والثقافة ترفض هذا الانصياع والانقياد، بينما هم يريدون أناسا يحركونهم بالريموت".

اليوم تمر الذكرى الثامنة لثورة فبراير، وأيقونة الثورة (تعز) بين نار وحصار الحوثي، والواقع الذي فرضه عليها التحالف. غير أن الأديمي ما زال يحمل في جعبته مزيدا من التفاؤل "لقد ضحينا بالكثير. وما زلت متفائلا أن الحرب ستنتهي قريبا، كما أن التدخلات الخارجية ستنتهي، لتستعيد تعز استقلالها وحريتها".

المصدر : الجزيرة