يهود يكرهون يهودًا.. إسرائيل "مستنقع العنصرية"

يهود إثيوبيون يتظاهرون في تل أبيب احتجاجا على قتل شرطي إسرائيلي شابا من اليهود الإثيوبيين (رويترز)
يهود إثيوبيون يتظاهرون في تل أبيب احتجاجا على قتل شرطي إسرائيلي شابا من اليهود الإثيوبيين (رويترز)

هبطت الاثنين الماضي في مطار بن غوريون بتل أبيب طائرة تقل 82 مهاجرا يهوديا إثيوبيّا، ليصبحوا مواطنين في إسرائيل، بموجب قانون العودة، ولكن ربما لم يعلم هؤلاء أن يهودا إثيوبيين كانوا يتظاهرون في تل أبيب قبل أيام احتجاجا على التمييز ضدهم.

واندلعت احتجاجات اليهود الإثيوبيين على خلفية قتل شرطي إسرائيلي شابا يهوديا من أصول إثيوبية، يدعى يهودا بايدجا، نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، أثناء حمله سكينا في مدينة بات يام (جنوب تل أبيب)، وقالت عائلته إنه مصاب بمرض نفسي.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن أحد منظمي الاحتجاج، ويدعى داسلي تكلا، قوله "نواجه جهاز الشرطة الذي يتصرف كعصابة إجرامية.. هذا الشرطي قاتل، لقد انتقلوا من العنف إلى القتل، قتلوا عشرة أشخاص حتى الآن.. ودولة وحكومة إسرائيل تفسران تسامحنا بأنه خوف".

طمس ثقافة الشرقيين
في عام 1950 ألقى رئيس الوزراء دافيد بن غوريون (1948–1953 و1955–1963) خطابا حول خطته لإيجاد مجتمع يهودي جديد متجانس، في ظل هجرة يهود إلى الكيان الجديد (إسرائيل) من خلفيات ثقافية متباينة شرقية وغربية.

وسمى بن غوريون خطته "بوتقة الصهر"، وتقضي بدمج اليهود في آلية واحدة ينصهرون فيها معا، لينتج عنها "اليهودي الإسرائيلي الجديد". وسُمي اليهود الجدد، الذين كان يفترض أن يكونوا نتاج "بوتقة الصهر"، باسم "يهود الصابرا".

وقال بن غوريون في خطابه "في اللحظة التي يصل فيها يهودي من العراق إلى البلد يصبح يهوديا عراقيا ويركز على العراق، وعندما يلتقي يهودي عراقي يهوديا رومانيا في معسكرات المهاجرين سيشعران بالاختلاف والمسافة بينهما، ولن يكون بمقدورهما التواصل؛ فحياتهما مختلفة، ولا يمكنهما الاندماج والتجانس في فترة قصيرة".

وأردف "ما يحدث هو تجمع لقبائل مختلفة ومتباعدة، والأصح أنه تجمع لقطع ممزقة لا تجانس بينها، وجمعهم معا في بقعة أرض واحدة سيبرز الاختلافات والفجوات بينهم".

لاحقا، فشلت خطة بن غوريون؛ بسبب النظرة الاستعلائية والسلوك العنصري للطبقة الحاكمة البيضاء تجاه اليهود الملونين.

خطوات تمييزية
بحسب الباحث والمحاضر في جامعة حيفا الدكتور أرييه كيزل، في كتابه "الرواية الشرقية الجديدة في إسرائيل" (2015)، فإن النخب الأشكنازية (من أصول أوروبية) نفذت خطوات تربوية ضمن سياسة "بوتقة الصهر"، وشملت إجراءات تفضيل وتمييز مكشوفة وخفية، وبينها إجراءات ضد اليهود الشرقيين (سفارديم).

وقالت مديرة عام المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) هنيدة غانم إن "الهدف من بوتقة الصهر كان إيجاد مجتمع يهودي أوروبي، لكن ديناميكية المجتمع الإسرائيلي ذهبت إلى مجتمع مغاير، فهو يميل إلى التدين، وأقل علمانية وأكثر يمينية؛ ففكرة بوتقة الصهر لم تكن ذات صلة بواقع اليهود حينها".

وفي ما يخص اليهود الإثيوبيين، رأت أن "لهم ظرفا خاصا أيضا، فهم أقلية صغيرة ذات خلفية ضعيفة، ويواجهون مشاكل مشابهة لما يواجهه المهاجرون الحاليون في دول أخرى، وتكيفهم مع المجتمع الجديد بطيء جدا".

ويتألف المجتمع اليهودي في إسرائيل من اليهود الغربيين والشرقيين، وأضيف إليهم لاحقا اليهود الروس والإثيوبيون.

وذكر مركز "مدار" في تقريره الإستراتيجي لعام 2017، أنه من الصعب حصر نسبة الشرقيين إلى الغربيين؛ لكن تقرير مركز الإحصاء الإسرائيلي لعام 2015 أفاد بأن اليهود الغربيين باتوا أقل من الشرقيين في إسرائيل، دون تحديد أرقام، ولم يشر المركز في التقارير اللاحقة إلى هذا الجانب.

وحسب مركز الإحصاء، يعيش في إسرائيل حتى نهاية 2017 نحو 148 ألف شخص من أصول إثيوبية، منهم 87 ألفا ولدوا في إثيوبيا، ونحو 61 ألفا ولدوا في إسرائيل.

ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي والصهيونية البروفيسور أوري ديفيس أن "العنصرية أو كراهية اليهود لليهود تتجلى في الممارسة الناتجة عن التاريخ السكاني للاستعمار-الاستيطاني الصهيوني-السياسي لفلسطين التاريخية، عبر الموجات المتتالية للمهاجرين الأشكنازيين الأوروبيين، وحتى تأسيس دولة الفصل العنصري– إسرائيل عام 1948″.

وأضاف ديفيس أنه خلال عقدين بعد 1948، وصلت موجات من اليهود "الملونين" من أصول غير أوروبية، خاصة من دول عربية إلى إسرائيل، وعرفوا باسم اليهود الشرقيين (المزراحيم).

فجوات كبيرة
ومن أشكال العنصرية ما كشفته دراسة إسرائيلية أعدها البروفيسور يوفال البشان، عميد "الكلية الأكاديمية أونو"، ونُشرت في أغسطس/آب 2018؛ حيث أفادت بوجود فجوات ضخمة بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين في سوق العمل الإسرائيلية.

وأوضحت الدراسة -التي نشرت القناة الثانية (12 حاليا) جزءا من نتائجها- أن 78% ممن يتخذون القرار بقبول الموظفين الجدد في الوظائف الحكومية هم من اليهود الغربيين، مقابل 22% من اليهود الشرقيين.

ويتولى 60% من الأشكنازيين إدارة أقسام الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية، مقابل 40% من الشرقيين.

وفي مكاتب المحامين المرموقة تبلغ نسبة المحامين اليهود من أصول غربية 84%، مقابل 16% لليهود الشرقيين.

وفي سوق مدققي الحسابات تبلغ نسبة اليهود الغربيين 73% مقابل 27% للشرقيين.

وفي ما يخص الرواتب، بينت الدراسة أن 69% ممن يحصلون على رواتب عالية في الشركات الكبرى هم من اليهود الغربيين، مقابل 31% من اليهود الشرقيين.

هل هناك تغيير؟
في معظم مراحل "النضال الشرقي القديم" ضد الصهيونية، باعتبارها "حركة التحرر للشعب اليهودي"، أو ضد "شرعية الطابع اليهودي للدولة"، كان المطلوب هو المساواة في ظروف المواطنة بين الشرقيين والأشكناز، بحسب الباحث والمحاضر في جامعة حيفا الدكتور أرييه كيزل.

وترى غانم أنه "حدث تغيير بنيوي في المجتمع الإسرائيلي؛ فمن كانوا في هوامش المجتمع، كاليهود الشرقيين وسكان مدن التطوير (مدن هامشية)، تحولوا إلى المركز، ورغم محاولات الأشكناز تهميشهم، فإنهم موجودون الآن في قلب عملية صنع القرار".

وأضافت "فمثلا 80% من أعضاء الليكود حاليا هم من اليهود الشرقيين، والشرقيون لهم أيضا الحضور البارز في حزب العمل"، وأضافت "كما توجد تغييرات ديموغرافية أخرى؛ فالمتدينون (الحريديم)، الذين كانوا على الهامش، برز دورهم مؤخرا".

لكن غانم استدركت بقولها إن "الإحصاءات تفيد بوجود فجوات كبيرة ما تزال قائمة بين اليهود الغربيين والشرقيين، إذ توجد طبقات كبيرة تعاني من الفقر تتركز بين اليهود الحريديم مثلا، ومعظم هؤلاء من أصول شرقية".

ومع استمرار ذلك الواقع العنصري بين اليهود، تتواصل مطالبات اليهود الشرقيين بالمساواة مع اليهود الغربيين في بلد كثيرا ما يعتبره مسؤولوه "واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط".

المصدر : وكالة الأناضول

حول هذه القصة

حنان الزعبي نائبة فلسطينية عربية في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي، تعرف بنشاطها المناهض لسياسات إسرائيل العنصرية تجاه الفلسطينيين، وأثارت مواقفها مرارا الجدل داخل إسرائيل، مما جعلها عرضة للضغوط المستمرة.

يخطئ من يظن أن التشريعات العنصرية الإسرائيلية تقتصر على الناحية النظرية، ففي الأسابيع القليلة الماضية شاهدنا المحاكم الإسرائيلية تصدر أحكاما مخففة ورمزية ضد مجرمين يهود أدينوا بقتل غير يهود.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة