أوروبا منحتهم 250 جملا.. عسكر الصحراء بموريتانيا.. 116 عاما على ظهور الجِمال

بعض الجِمال التي أهداها الاتحاد الأوروبي أمس لفرقة الجمّالة في موريتانيا (الصحافة الموريتانية)
بعض الجِمال التي أهداها الاتحاد الأوروبي أمس لفرقة الجمّالة في موريتانيا (الصحافة الموريتانية)
أمين حبلا
لم يكن تقديم الاتحاد الأوروبي 250 جَمَلا لصالح وحدة الجمالة في الحرس الوطني مثيرا، لو كان الخبر قبل 116 عاما، عندما تم إنشاء هذا القطاع العسكري ليكون أول وحدة عسكرية نظامية في أرض الصحراء التي لم تعرف لقرون غير الجِمال وسيلة لقطع المسافات الشاسعة ورسم ملامح الحياة.
 
لكن مع مشارف عام 2020 تبدو كتيبة "الإبل" عنصرا مثيرا لاهتمام الصحافة والمدونين في موريتانيا وتفتح صفحة من التاريخ الأمني والعسكري لموريتانيا.
 
اختار الأوروبيون تقديم 250 جملا مجهزة براوحلها التقليدية وعدتها -أو كما يقول العرب قديما 250 جملا بأقتابها وأحلاسها- وتسلمها قائد الحرس الوطني الفريق مسقارو ولد لغويزي.
 
وجرى حفل التسلم في منطقة تسمي آشميم في أقصى الشرق الموريتاني، حيث لا تزال الإبل هنالك وسيلة للتنقل في البوادي وثروة مهمة يتنافس القرويون على اقتنائها.

قائد الحرس الموريتاني يتسلم الهدية الأوروبية من سفير الاتحاد الأوروبي (الثاني يمين) (موقع الحرس الوطني)

مرونة وقدرة على التحرك
وقال قائد أركان الحرس الوطني الفريق مسقارو ولد لغويزي، إن "التجمع المتنقل باستطاعته -نظرا لمرونته وقدرته على التحرك ووسائله الملائمة- أن يلعب دورا محوريا في تأمين المناطق النائية التي ما برح التجمع يجسد فيها سلطة الدولة ويقدم الخدمات الضرورية لصالح الأشخاص والممتلكات الحيوانية".

وأضاف أن هذه المساعدة "سترفع من مستوى أداء التجمع المتنقل للحرس الوطني الذي ستحدد له مستقبلا مهام جديدة على ضوء قدراته العملياتية والتهديدات التي ما فتئت تشهدها منطقة الساحل".

بين الجِمال والـ F16
ولئن كانت المساعدة الأوروبية المتمثلة في عشرات الجِمال نالت استحسان الجهات الرسمية، فقد أثارت انتقادات واسعة بين المدونين الموريتانيين الذي رأى بعضهم في قبولها ضربا من التجني على سيادة و"كرامة" البلد وبقايا العزة فيه.

وكتب المدون بشير شيخنا محمدي "حتى الجِمال التي لا تنقصنا أبدا والتي هي -على مرّ القرون في هذه الأرض- تمثل رمزًا من رموز تراثنا وعزّتنا السيادية، (..) صار بعض مسؤولينا من فرط عدم اعتبارهم للرمزيات لا يخجلون من طلب شرائها للحرس الوطني (كتيبة الجمّالة تحديدا) عبر استجداءات مُذلة لدى الاتحاد الأوروبي.. وهاهم نواب أوروبيون يتسامرون ويتضاحكون في بروكسل بأنهم اشتروا الجِمال لجيش "دولة" اسمها موريتانيا!

فيما تساءل المدون محمد ولد الشيخ "لماذا يجهز الأوروبيون جيوشهم بطائرات F16 وأحدث التكنولوجيا ويمنحون جيشنا الجِمال وهو الذي يتصدى للإرهاب في المنطقة؟!".

وكتبت مدونة أخرى "المشكلة أننا لسنا بحاجة لها، طائرة واحدة دون طيار كفيلة بأداء مهمة أربعمئة جَمَل وسعرها لا يكلف خمسمئة ألف أوقية (نحو ألفي دولار).

ودافع مدونون آخرون عن الخطوة ورأوا فيها تعزيزا لقدرات أحد القطاعات العسكرية وتوثيقا لأواصر العلاقة مع شريك مهم هو الاتحاد الأوروبي.

أتخجلون من الجِمال؟!
وكتب الصحفي والمدون الشيخ بكاي "تتجاوز قيمة 250 جملا من النوع الجيد مع الرواحل وبعض التجهيزات الأخرى مئة مليون أوقية (نحو 285 مليون دولار).. هي دفعة أولى من تجهيز وحدة للجمالة.. ما المشكل في هذا يا من تخجلون من الجمل؟؟ أنتظر الدفعة الثانية من الجِمال مع شكري للاتحاد الأوروبي..".

واختار مدونون آخرون التركيز على بعد آخر يتعلق بصلة الأوروبيين بمطايا الصحراء، حيث لفت الكاتب والباحث إبراهيم الدويري إلى مفارقة تاريخية ذكرها المؤرخ ابن خَلّكان (681هـ/ 1282م)، هي أن الأوروبيين لم يعرفوا الإبل قبل موقعة الزلاقة (479هـ/ 1086م) فإنه لما "عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملاً ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأيٌ مصيب، كان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها".

وختم الدويري تدوينته بقوله "اليوم دار الزمان، وصار الأوروبيون يهدون أحفاد ابن تاشفين الإبل والجِمال، وربك يفعل ما يشاء ويختار!". 

"كوميات"
تتصل وحدة الجمّالة بنسب وثيق مع فصيل شبه عسكري أنشأه المستعمر الفرنسي مطلع القرن الماضي وأطلق عليه اسم كوميات وهم مجموعة من أعوان ومساعدي عناصر الجيش الفرنسي في أرض الصحراء. ويترجم بعض الموريتانيين كلمة "كوميات" إلى "قوم الوطن".

ويشير الباحث والمؤرخ الموريتاني سيدي أحمد ولد الأمير إلى أن ترسيم نظام المساعدين العسكريين "گوميات" (Goumes) وكذلك نظام الجمَّالة (Méhariste)، تم من طرف العقيد الفرنسي هنري باتي الذي كان حاكما لموريتانيا خلال الفترة من 1 يناير/كانون الثاني 1910 إلى 1 مارس/آذار 1912.

ويضيف أن باتي شكل ثلاث مجموعات من "گوميات"، وأربع فرق من الجمَّالة، وعهد إلى هذه الأنظمة بحراسة مداخل البلاد ومخارجها، وإرغام السكان على توفير التموين من غلات وحليب ولحوم، وتأمين وسائل النقل من جِمال وثيران وحمير وغير ذلك مما يسهل عمليات تحرك الجيش الفرنسي والقوات المساعدة.

اضطلعت فرق الجمالة وكوميات خلال فترة الاستعمار بمهام متعددة من القتال إلى حراسة المقار الأمنية والإدارية للمستعمر، كما شارك عدد من أفرادها ضمن الجيش الفرنسي خلال الحربين العالميتين، وظل عدد منهم يتقاضى رواتب تقاعد بعد رحيل الفرنسيين عن موريتانيا.

في كنف الدولة
مع حصول موريتانيا على استقلالها عن المستعمر الفرنسي في عام 1960 واصلت كتيبة الجمّالة عملها، باعتبارها واحدة من أهم الكتائب المتنقلة التابعة للحرس الوطني الذي تأسس في الثلاثين من مايو/أيار 1912 على يد المستعمر الفرنسي، ويعتبر أقدم جهاز عسكري في البلد، وظل لعقود من الزمن يشكل القطاع العسكري الوحيد فيه، كما يعتبر أول هيئة خدم فيها الموريتانيون بعد احتلال البلاد من قبل فرنسا.

وحافظت كتيبة الجمالة في ظل الدولة الوطنية على أداء مهام أمنية واستعلامية، إضافة إلى مهام اجتماعية في إسعاف البدو وتقديم الخدمة الاجتماعية في المناطق التي تقل فيها المياه، كما يسهم أفرادها أيضا في إخماد حرائق المراعي.

ويحافظ الجمّالة على الزي التقليدي المتمثل في سروال تقليدي فضفاض ينتهي إلى أنصاف الساقين، وقميص مناسب، ويحصل هؤلاء على رتب عسكرية مماثلة لرتب زملائهم من مختلف قطاعات الحرس الوطني.

ويضفي الجمالة طابعا رمزيا على الاستعراضات العسكرية التي ينظمها الجيش والحرس الوطني في موريتانيا.

ويتقاسم الجمالة سياقان متناقضان في موريتانيا، فبينما يعتبرهم بعض الموريتانيين جزءا أساسيا من ذاكرة ورمزية الاستعمار الفرنسي، يراهم آخرون بقية باقية من تاريخ البدو الموريتاني، وذاكرة الغزو والسير في مناكب صحراء واسعة كان الجمل سفينتها الوحيدة التي تمخر عباب بحر الرمال.

 
المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة