في أول تجربة.. هكذا تفاعل الجزائريون مع مناظرة الانتخابات الرئاسية

المرشحون الخمسة قبل المناظرة (الجزيرة نت)
المرشحون الخمسة قبل المناظرة (الجزيرة نت)

 

 

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

لقيت المناظرة الرئاسية -الأولى في التاريخ الانتخابي الجزائري- صدى واسعا وسط الجزائريين سواء المؤيدين والمعارضين للمسار الانتخابي على السواء.

فلمدة ثلاث ساعات كاملة، تابع ملايين الجزائريين مساء الجمعة المناظرة تحت عنوان "الطريق إلى التغيير" وجمعت على قدم المساواة بين المرشحين الخمسة لاستحقاق 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وهم عبد المجيد تبون، عبد العزيز بلعيد، عبد القادر بن قرينة، علي بن فليس، عز الدين ميهوبي.

وسمحت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ببثّها مباشرة عبر قنوات التلفزيون العمومي والإذاعة الوطنية، والقنوات التلفزيونية الخاصة المعتمدة.

وتشكلت من 13 سؤالا لتغطية أربعة مواضيع أساسيّة، هي المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكذا مجال التربية والتعليم والصحة، والسياسة الخارجية. حيث حظي كل مترشح بدقيقتين للإجابة عن كل سؤال.

كما أخضعت السلطة المستقلة ترتيب المترشحين في موقع التصوير وتناول الكلمة للقرعة بإشراف محضر قضائي، وألزمتهم بميثاق أخلاقيات الممارسات الانتخابية.

ووجدت المناظرة اهتماما كبيرا وسط الجزائريين سواء من المؤيدين أو المعارضين للانتخابات، وهو ما عكسته تفاعلات مواقع التواصل الاجتماعي، وإن جاءت في معظمها منتقدة لإدارة النقاش ومستوى الردود، ناهيك عن ربطها بالمناخ العام للانتخابات.

 

صدى التواصل
وقال الكاتب نجيب بلحيمر بهذا الصدد "الانتخابات مجرد صورة مفبركة لا سند لها على أرض الواقع، يراد اختزالها في مناظرة مرشحين عجزوا عن تنظيم حملة انتخابية حقيقية، وطاردهم الجزائريون أينما حلّوا".

ومثله كتب شريف رزقي على صفحة فيسبوك "أسئلة الصحفيين لم تتطرق إلى رأي المترشحين في سجن عشرات الشباب لأسباب سياسية، مثلما لم تُشر إطلاقا إلى مدنية الدولة، وهذه مواضيع حساسة جدا لا يمكن التغاضي عنها.. ولكن نحن في الجزائر".

ولم تقتنع نبيلة بن يحيى بأداء المرشحين فغردت "المناظرة شكل جديد في ثقافتنا السياسية، لكن يبدو أن شخصية واحدة بدت أكثر قدرة في محاكاتها للواقع، مع تقديم بدائل للتغيير عملية وممكنة".

وعلى منوالها علّق هارون عمر بالقول "هذه المناظرة لا تحمل من حقيقتها إلا الاسم، لا أحد كان مقنعا بالدرجة المطلوبة، لا من ناحية الأسلوب ولا المضمون وشرح الأفكار".

 

نقلة نوعيّة
غير أنّ الصحفي قادة بن عمار انتقد إدارة الحوار بالقول "ما حدث يمثل قراءة عادية للبرامج وتكرارا للوعود، لأنّ سلطة الانتخابات قتلت المناظرة بميثاق الشرف وعدم تعرض أي مرشح للآخر".

ثمّ عقب مستدركًا لكن "تبقى هذه المبادرة تاريخية وإن اختلف البعض حولها، فالتاريخ يمكن دخوله بالسلب أو بالإيجاب".

وشاطره الرأي الأستاذ الجامعي زهير بوعمامة عندما كتب "المناظرة الانتخابية تبقى حدثا تاريخيا وغير مسبوق في بلدنا لو أخذناها خارج السياقات السياسية المأزومة للانتخابات".

وتابع "هي خطوة في الاتجاه الصحيح على مسار التعلم الديمقراطي، وهي في الحد الأدنى مؤشر موضوعي على أن عهد الانتخابات التي يُعرف فيها الرئيس قبل أن تجري قد انتهى".

 

شعبويّة
وفي قراءة المضمون والأداء، سجّل بوحنية قوي عميد كلية الحقوق بجامعة ورقلة "طغيان اللغة الشعبوية" معتبرا أنّ "الفوارق الجوهريّة بين الخطابات كانت بسيطة، ولم تختلف لدى البعض بين القاعات والمناظرة".

وأوضح أن مرشحين "حاولوا دغدغة المشاعر من خلال حديثهم عن خدمة الشعب، بينما استعمل آخرون لغة الأرقام بطريقة استعراضية دون طرح البدائل".

ولاحظ في تصريح للجزيرة نت "غياب النقد لأمهات القضايا في الشق السياسي، خصوصا ما يتعلق بنزاهة العملية الانتخابية، ومطالب الحراك التي لم يُشر إليها إلا أحيانا وبإيحاءات بسيطة".

الأدغم: المناظرة لن تغير سلوك الناخبين (الجزيرة نت)

إدراك وتحكم
من جهة أخرى، أكد أستاذ الإعلام بجامعة الوادي الطاهر بن عمارة الأدغم أن التجربة جديدة بالكامل، ولا يمكن قراءة مجرياتها وملابساتها دون وضع هذا المعطى في الحسبان.

وفي قراءة سيميولوجية للحدث، قال إن الانطلاقة كانت متفاوتة من ناحية لغة الجسد، فقد ظهر على البعض شيء من الإرهاق وعدم الانتباه إلى الكاميرا، مثلما ركزت نظرات البعض الآخر إلى الأسفل.

وسجّل محاولات لاستعمال لغة الجسد، سواء عبر اليدين أو ملامح الوجه وتعبيراته، لكنها لم تكن كافية حسبه، ولم توظف بما فيه الكفاية، قبل أن يستدرك الجميع مع مرور الوقت.

كما ظهر الشباب أكثر نشاطا وقوة في الكلمات من ناحية النطق ولغة الجسد، في حين ظهر الكبار كأنهم يصارعون بعض الإعياء والتعب، على حدّ تعبيره.

وعلى العموم ظل هناك تفاوت بين المترشحين الخمسة، بسبب أنماط التكوين والتوجه والخبرة وعامل السنّ، لكن الحدّ الأدنى من الأداء المعقول ظل متوفرا لدى الجميع، بحسب حديث الأدغم للجزيرة نت.

واعتبر أنّ المناظرة أظهرت إدراك المترشحين اللافت للخطوط العامة لبرامجهم الانتخابية، وحتى بعض التفاصيل والأرقام والخطط شبه التفصيلية المطروحة، وهو ما تجلّى في حديثهم عن ملفات كبرى، مع تفاوت أحيانا بسبب الخبرات التقنية.

وأضاف بأنهم "ابتعدوا عن الوعود المستحيلة والخطاب اليقيني الشعبوي".

 

دار لقمان
وبخصوص التأثير على توجهات الناخبين، قال بوحنيّة "المناظرات مهمة عندما يكون المزاج السياسي والسلوك الانتخابي مستقرا، لكن الحالة الجزائرية غير مستقرة انتخابيا، لذلك فإنّها تكون تحصيل حاصل بالنسبة للمتابع لها ولن تغير في سلوكه بشكل كبير".

ومثله شدّد الأدغم على أنّ هذه المناظرة لو كانت في أجواء معقولة لأدت إلى تحول كبير في مسار العملية الانتخابية.

لكن قراءتها عند قطاع معتبر من الجزائريين لا تخلو من الخلفيات السياسية والنفسية التي ترى أن "دار لقمان" ما تزال على حالها، وأن ما يحدث مجرد ديكور خارجي فقط، مثلما قال.

ومع ذلك توقع بأن تقود المناظرة نسبة معقولة من المترددين والمشككين إلى تغيير قناعاتهم والتوجه إلى صناديق الانتخاب الخميس المقبل.

المصدر : الجزيرة