لبنان.. سيناريوهات ما بعد التسوية السياسية للحكومة

الحراك الشعبي مستمر في لبنان منذ 47 يوما (رويترز)
الحراك الشعبي مستمر في لبنان منذ 47 يوما (رويترز)

عفيف دياب-بيروت

حدد الرئيس اللبناني ميشال عون يوم الاثنين المقبل موعدا لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة التي سيجريها مع الكتل البرلمانية والنواب المستقلين.

وقد طال انتظار هذا الموعد في لبنان منذ تقديم سعد الحريري استقالته يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي نتيجة ضغط الحراك الشعبي المستمر منذ 47 يوما، الذي أدخل البلاد في صراع سياسي تبدو نهايته غير قريبة، حسب مراقبين.

وقد جاء موعد الاستشارات النيابية الملزمة بعد تسوية سياسية أفضت إلى الاتفاق المسبق على اسم رجل الأعمال سمير الخطيب، كمرشح لتولي رئاسة الحكومة الجديدة.

وأخذ هذا الاتفاق وقتا طويلا من المفاوضات التي جرت بين حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، وبين رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري.

مبنى دار الحكومة اللبنانية (الجزيرة)

حكومة مختلطة
وحسب تسريبات من مصادر مشاركة فيه، يتضمن الاتفاق تشكيل حكومة مختلطة من خبراء وسياسيين لا يتجاوز عددهم 24 وزيرا، وأن يتمثل كل حزب بوزير دولة، وأن لا تقدم الحكومة على إجراء انتخابات مبكرة أو مجرد بحثها، وأن ينصب اهتمامها على معالجة الوضع الاقتصادي، وأن لا يتجاوز عمرها الأشهر التسعة.

وتضيف المعلومات حول التسوية أن التيار الوطني الحر لن يسمي رئيسه جبران باسيل وزيرا، وأن تكون للحراك الشعبي حصته.

وكان الحريري أعلن مسبقا رفضه تسلم رئاسة الحكومة بغير شروطه، مصرا على موقفه بقبول تسميته رئيسا لحكومة تكنوقراط أو تسمية غيره، وهو ما حصل إذ ارتفعت حظوظ الخطيب بعد مد وجزر في مفاوضات سياسية شاقة، حيث نال في نهايتها تزكية الحريري له حيث ستسمي كتلته البرلمانية المرشح المفترض، على أن يشارك تيار "المستقبل" في الحكومة بوزراء تكنوقراط.

وكان زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أعلن أن حزبه لن يشارك في الحكومة، بل سيكتفي بتقديم لائحة أسماء ليختار منها الرئيس المكلف حصة الطائفة الدرزية، وكذلك حزب القوات اللبنانية الذي أعلن مسبقا -وقبل التوافق على الخطيب- معارضته لحكومة لا تتكون من أخصائيين مستقلين عن الأحزاب.

يسهل ولا يعرقل
يقول عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل نزيه خياط إن الحريري لم يتنازل عن شرطه، وقد أعلن رفضه تشكيل حكومة من غير التكنوقراط.

وأوضح خياط للجزيرة نت أن الحريري يسهل ولادة حكومة، وأن إلزامه بالإعلان المسبق وتسميته لشخص ما قبل الاستشارات النيابية هرطقة دستورية.

وأكد أن الحريري وكتلة المستقبل سيعلنان اسم مرشحهما في الاستشارات، مؤكدا أن تيار المستقبل لن يشارك بأسماء شخصيات سياسية تمثله، بل سيسمي خبراء وأخصائيين.

جانب من الاحتجاجات التي عمت لبنان منذ شهر ونصف (الجزيرة)

 

مطالب واقعية
من جهته، يرى المحلل السياسي ميشال أبو نجم أن الأجواء إيجابية بالتوصل إلى تشكيل حكومة تكنو-سياسية، ويقول في حديث للجزيرة نت إن خطر الانهيار المالي بدا عمليا، وهو ما دفع القوى السياسية إلى الإسراع بإنتاج حل.

وأشار إلى أن الحراك الشعبي لا يمكنه تجاهل وجود القوى السياسية وهواجسها، وبالتالي لم تعد المطالب العبثية مقبولة وإنما فقط المطالب الواقعية القابلة للتحقيق، معتبرا أن الأولوية اليوم هي حل الأزمة الاقتصادية، وأن الحراك سيكون ممثلا في الحكومة الجديدة.

الحراك في المرصاد
وحسب الناشط السياسي في الحراك جاد شحرور، فإن التسوية حول اسم رئيس جديد للحكومة اللبنانية وشكل الحكومة العتيدة لم تلب مطالبه، مضيفا للجزيرة نت أن الحراك بدأ يتجه نحو بلورة اعتراضه على التسوية السياسية بين من يسميهم قوى السلطة.

واعتبر أن الحراك سيتجه أيضا إلى إعلان خطوات تصعيدية للمواجهة الجديدة، ولا يرى في تسمية الخطيب وشكل الاتفاق على اسمه سوى ذر للرماد في العيون.

ويضيف شحرور أن اعتراض الحراك سيتبلور قريبا جدا، وأن مجموعاته تنسق فيما بينها لتشكيل قوة ضغط ورفض شامل لتسوية لا تلبي ما يطمح إليه منذ شهر ونصف.

ويؤكد أن الحراك في تصاعد مستمر حتى تحقيق مطالبه، واصفا ما يحكى عن توافق الأحزاب الكبرى على شكل ومضمون الحكومة الجديدة بأنه خارج الواقع، وأن القوى السياسية المتحكمة بإدارة السلطة في انفصام تام عما يجري بالشارع.

ويعتبر شحرور أن مطلب الحراك الشعبي كان واضحا منذ بداياته: حكومة تكنوقراط تعمل على إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ومحاكمة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة، موضحا أن تحديد موعد الاستشارات النيابية وما تم الاتفاق عليه بين قوى السلطة "لا يعنينا".

هرطقة دستورية؟
وقد تلقى التوافق المسبق قبل الاستشارات النيابية على اسم الخطيب كرئيس للحكومة، هجمة سياسية من رؤساء الحكومة السابقين الذين أصدروا بيانا استهجنوا فيه ما وصفوه بالخرق الخطير لاتفاق الطائف والدستور نصا وروحا.

وفي بيان لهم، اعتبروا مثل هذا الاتفاق اعتداء على صلاحيات النواب بتسمية الرئيس المكلف من خلال الاستشارات النيابية الملزمة، وعلى صلاحيات رئيس الحكومة عندما يتمّ تكليفه تشكيل الحكومة بعد إجراء الاستشارات اللازمة.

وأضافوا أن تجاهل استقالة حكومة الرئيس الحريري، وإهمال إجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف، مع إنكار متمادٍ لمطالب الناس المستمرة على مدى قرابة خمسين يوما، يُعد استخفافا بمطالب اللبنانيين وتجاهلا لإرادتهم من قبل رئيس الجمهورية.

وقال بيانهم -في انتقاد واضح لسمير الخطيب- إن أي مرشح لرئاسة الحكومة يوافق على الخوض في استشارات حول شكل الحكومة وأعضائها قبل تكليفه، ويقبل بالخضوع لاختبار من قبل لجنة فاحصة غير مؤهلة ولا مخولة دستوريا، إنما يساهم أيضا في خرق الدستور، وفي إضعاف وضرب موقع رئيس مجلس الوزراء.

المصدر : الجزيرة