يحمل بصمات الأمن.. لماذا تعتدي السلطات المصرية على المعارضين بالشوارع؟

الأصباغ تغطي وجه وملابس المحامي والناشط الحقوقي جمال عيد بعد اعتداء قوات الأمن عليه (مواقع التواصل الاجتماعي)
الأصباغ تغطي وجه وملابس المحامي والناشط الحقوقي جمال عيد بعد اعتداء قوات الأمن عليه (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبد الله حامد-القاهرة

يستطيع النظام المصري أن يخفي أي مصري أو أجنبي لأيام أو لسنوات ثم يلقيه مقتولا بالتعذيب على قارعة الطريق كما فعل مع الباحث الإيطالي جوليو ريجيني وغيره من المعارضين المصريين، دون أن يخشى مساءلة دولية أو احتجاجات محلية بتقدير حقوقيين.

فلماذا إذًا يستدعي نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي أساليب عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك في الاعتداء البدني السريع على المعارضين والحقوقيين بالشارع، في حين أنه يمكنه بخفة ويسر إخفاؤهم واعتقالهم واغتيالهم؟

هكذا تساءل المشككون في واقعة الاعتداء الجديد على الحقوقي جمال عيد بتشويه وجهه بالأصباغ الملونة، وهو اعتداء يبدو أملا لعشرات الآلاف من المعارضين المعتقلين الذين يودون لو اقتصر عقاب النظام لهم على الضرب بلكمات وركلات عدة ثم تلطيخ الوجه بالأصباغ ليعودوا أحياء إلى أسرهم آخر النهار كما حدث لعيد صباح أول أمس الأحد.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الاعتداء "يحمل بصمات الأمن"، حيث أوضحت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة سارة لي واتسون أن "الهجمات المتكررة على أحد أبرز النشطاء الحقوقيين في مصر تثير بواعث قلق خطيرة بشأن احتمال تورط القيادة المصرية".

ونشرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بيانا تناول تفاصيل اعتداء ضباط مسلحين على مديرها جمال عيد بالضرب بالقرب من مسكنه.

وبحسب البيان، فوجئ جمال عيد صباح الأحد بثلاث سيارات ترجل منها عدد من أفراد الأمن والضباط، حيث طرحوه أرضا وبدؤوا في ضربه، وأمرهم أحد ضباط الأمن الوطني بإغراقه بالأصباغ التي كانت معهم قائلا "عشان يتلم" أي يقصر نشاطه.

وأكد البيان أن عددا من المارة والجيران حاولوا التدخل لحمايته، فقام اثنان من أفراد الأمن بإشهار مسدسات وتهديدهم وأمرهم بالابتعاد، وأمرهم نفس الضابط بتصوير جمال عيد وهو ملقى أرضا أثناء الاعتداء عليه وكأنهم يحصلون على دليل على قيامهم بالمطلوب منهم.

 
شكوك وردود
وفور نشر عيد صور الاعتداء عليه شكك محسوبون على المعارضة في الأمر، مؤكدين أن النظام ليس لديه ما يخشاه، فضلا عن ملابسات أخرى تخص الواقعة كونها حدثت نهارا أمام الناس، وهو ما دعاه إلى الرد بنشر صورة مكان الاعتداء.
 
وبشأن دوافع وزارة الداخلية للقيام بما تفعله، قال عيد إنه يقدم تفسيرات ليست واجبة عليه كضحية، فقد تعرض للاعتداء أكثر من مرة، ثم تحطيم سيارة زميلته في المنظمة الحقوقية، فضلا عن حملات التشويه الإعلامي الممنهجة المستمرة ضده.

وأوضح عيد أن خبرة جريمة تعذيب وقتل جوليو ريجيني لها أثر وصدى، وربما منعت السلطات من تكرارها لأثرها المدوي عالميا، فضلا عن أنه لا يمكن تمرير اعتقاله أو قتله بتهمة انتمائه إلى جماعة الإخوان، لأن انتماءه السياسي معروف، مطالبا وزارة الداخلية بتقديم تفسير آخر عما إذا هناك جهات أو مؤسسات أخرى متورطة في هذا الانحطاط، بحسب وصفه.

ولم يستبعد عيد أن تكون الداخلية ارتكبت هذه الاعتداءات لصالح جهة أو شخص ما أو بقرار من جهة أعلى مجاملة لشخصية ربما انتقدها أو لإرضاء "مجرمي آل سعود أو مجرمي الإمارات" حسب تعبيره، وهي تسلك سلوك "عصابات وربما تحول جزء منها ليصبح عصابة فعلا".

وقال إنه تقدم وزملاؤه لتحرير محاضر بالواقعة لمجرد توثيقها رغم قناعة الجميع بعبثية هذه المحاضر وانعدام جدواها، لأن الداخلية لديها ضوء أخضر للتوحش مع ضمان بعدم المحاسبة.

وأكد عيد أنه لن يتراجع عن مواقفه السياسية ونشاطه الحقوقي ولن تخيفه هذه الممارسات بحقه، واختتم بالقول "لكن مرة أخرى، الصمت والتواطؤ ليسا اختيارنا".

 
إفادات مماثلة
عضد صحة واقعة الاعتداء على جمال عيد إفادة الصحفي بالأهرام كارم يحيى بأن هناك حالات تعرض فيها مع آخرين من الناشطين لدفعات متوالية ومتفرقة من "الرش الإجرامي" بسائل أشبه بخليط من الشحم القذر وزيت السيارات، وذلك عقب مشاركتهم في احتفالية عيد ميلاد الناشط العمالي والصحفي المعتقل هشام فؤاد نهاية سبتمبر/أيلول الماضي.

وأوضح أنه لم ينشر الواقعة حينها، لأن البلاد وقتها كانت تمر بما هو أكبر وأخطر من مظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي، مختتما منشوره بالتأكيد قائلا "لن نخاف".

وأكد صحة الواقعة صحفيون تحدثوا للجزيرة نت -تحفظوا على ذكر أسمائهم- وذلك عقب حضورهم نفس الفعالية، وتعرضوا لاعتداءات بسائل عبارة عن زيوت وشحوم ألقيت عليهم تباعا، حيث كان ثمة أشخاص ينتظرون الخارجين من مبنى نقابة الصحفيين ثم يهجمون عليهم ويلقون الزيوت عليهم وسط شتائم بذيئة، في حين كان يجلس على الناحية المقابلة للمبنى رجال أمن في زي رسمي ومدني.

سياسة مبارك
وكانت هذه الممارسات بالاعتداء على المعارضين نهجا متبعا في عصر مبارك، إذ جرى الاعتداء على السياسي والصحفي مجدي حسين (معتقل حاليا) في عرض الشارع قبل وصوله بأمتار لمقر جريدة الشعب التي كان يشرف عليها.

كما جرى الاعتداء على رئيس تحرير جريدة الوفد الراحل جمال بدوي، والكاتب الصحفي سليم عزوز، وانتهت السلسلة باختطاف الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل (مؤيد للنظام حاليا) ثم الاعتداء عليه وتركه عاريا تماما.

وقال الكاتب الصحفي سليم عزوز للجزيرة نت إن الجديد هذه المرة في طريقة الاعتداء بإلقاء الأصباغ على المستهدف بالاعتداء البدني، موضحا أنه ربما كان الجهاز الذي يعادي جمال لا يملك القدرة على اعتقاله، لذا فهو ينتقم في حدود المتاح.

ولفت عزوز إلى أن جمال عيد حقوقي دولي معروف، كما أن زوجته أميركية الجنسية، مما يعني أن اعتقاله يمكن أن يسبب صداعا للسيسي، وقد يضطر في الأخير للإفراج عنه بضغوط، فما جرى انتقام محض.

وألمح إلى أن التهمة في جميع الأحوال كانت تقيد ضد مجهول هو معلوم فعليا لدى الجميع وينتمي للأجهزة الأمنية، وإن كان من غير المعلوم على وجه اليقين إلى أي جهاز تحديدا ينتمي.

في حالتي -يضيف عزوز- استمعت إلى من يقول إن حبيب العادلي شكل فرقة في الوزارة من عدد من الأجهزة ليست رسمية اسمها أمن الوزارة، وهي من تقوم بهذه العمليات، سواء لصالح الوزير نفسه أو لصالح من يعمل الوزير في خدمتهم، وهم بيت الرئيس، بحسب قوله.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة