العراق 2020.. ثورة الشباب ماضية في تحقيق أهدافها

الجزيرة نت-بغداد

على الرغم من العنف الذي جوبهت به الاحتجاجات التي شهدتها بغداد ومدن عراقية أخرى خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2019، وتسبب في قتل المئات وإصابة الآلاف فضلا عن اعتقال آلاف آخرين؛ فإنها لم تفقد بريقها بشأن المطالب الكبرى التي خرجت لأجلها وهي متمسكة بتحقيقها خلال العام الجديد.

وكافح المتظاهرون الذين نصبوا خيامهم في وسط الساحات الرئيسية في بغداد والمحافظات الجنوبية منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من أجل سلمية حراكهم ورفع مطالب كبيرة تتعلق بالنظام السياسي والحكومة وإقرار قوانين تتعلق بالانتخابات والأحزاب وحمل السلاح، وغيرها من القوانين التي لها تماس وتأثير مباشر بحياة الناس.

ناشط يرتدي ملابس بابا نويل ويحمل لوحة في ساحة التحرير يتمنى سنة سعيدة للعراق في 2020 (الأناضول)

ما حققته الثورة
تقول الناشطة ذكرى الموسوي للجزيرة نت إن المتظاهرين قد سجلوا أكثر من هدف في مرمى الأحزاب السياسية والسلطة، بعد إقرار قانون الانتخابات وإقالة الحكومة ورفض مرشحين متحزبين لمنصب رئاسة الوزراء ممن حاولت الكتل السياسية تمريرهم على مدى الأيام الماضية.

وتضيف ذكرى أنه رغم قتامة المشهد السياسي وارتباكه بسبب الاحتجاجات، فإن ما حصل من تغييرات حتى الآن يعتبر جيدا، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح رغم العناد والتحدي السياسي للكتل التي لا تريد التفريط بمصالحها بسهولة، هذا التغيير كلفنا 489 شهيدا وآلاف الجرحى.

ويعتقد الناشط صادق السهل -في حديثه للجزيرة نت- أن "المسألة تحتاج لوقت أبعد من السنة القادمة والإصلاحات التي يناضل من أجلها الشباب، تشمل أغلب مفاصل الدولة التي ينهشها الفساد، وهذا يحتاج لإجراءات طويلة الأمد تبدأ بحصر السلاح في يد الدولة وتوفير بيئة آمنة مكفولة فيها حرية التعبير والنقد لتصحيح مسار بناء الدولة.

ثورة الشباب في العراق  (رويترز)

صناعة وعي
حققت ثورة الشباب في العراق تغييرا مهما وهو ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، كما يقول الناشط في تظاهرات ساحة التحرير عمار الموسوي، فقد تحول المجتمع من غياب ردة الفعل تجاه الطبقة الحاكمة إلى مجتمع كامل رافض للمشهد السياسي بكل تفاصيله.

ويضيف الموسوي أن الثورة حققت مكسبا آخر على طريق تغيير هيكلية النظام السياسي من خلال استقالة رئيس الوزراء، وهو ما يحصل لأول مرة في العراق منذ 2003 وحتى الآن، كما أنها حققت ارتباكا في العملية السياسية وتشتتا واضحا في اتخاذ أي قرار.

ويتوقع الموسوي أن من سيناريوهات عام 2020 المحتملة، في حال اختيار رئيس حكومة يرتضي عليه الشعب ولو جزئيا، إيقاف التظاهرات والاعتصامات، بحيث تكون متقطعة من كل أسبوع إلى أن تتم جميع أو أغلب المطالب خلال العام الجديد.

وتبدو الناشطة في متظاهرات الناصرية زينب علي -وهي طالبة في كلية القانون- حزينة من الأحداث التي حصلت على مدى شهرين، حيث تقول للجزيرة نت إنه لم يتحقق أي شيء حتى الآن، ولم يتم الأخذ بثأر الشهداء من خلال محاسبة مرتكبي المجازر بحق الشباب، ولم يحاسب أي مفسد.

وتؤكد على أن ثورة الشباب تهدف إلى تكوين نظام حكم جديد وتوفير فرص عمل وحياة كريمة لجميع الأفراد بشكل عادل وإنهاء للطائفية، وهذه كلها تحتاج إلى وقت وصبر طويلين، ولكن الأهم هو أن يكون النظام الانتخابي الجديد لصالح المواطنين وليس لفئة محددة.

مشاركة للطلاب في الحراك الجماهيري في ساحة الحبوبي بالناصرية (الجزيرة)

طموحات كبيرة
ويمكن أن تحقق ثورة الشباب أغلب مطالبها والتي تمثلت في إنهاء نظام المحاصصة وتعديل الدستور والمطالبة بالقوانين المهمة، بتصحيح النظام الديمقراطي مثل قانون الانتخاب وقانون الأحزاب وقانون المفوضية المستقلة للانتخابات، كما يقول الحقوقي والناشط حسين الغرابي للجزيرة نت.

ويتابع حديثه "هناك العديد من المكاسب الاجتماعية المتحققة أيضا، ومن المتوقع أن نشهد انتخابات مبكرة في عام 2020، وتغيير الخارطة السياسية للقوى التي حكمت العراق بعد 2003.

لكن هاشم السومري -وهو ناشط أخر في التظاهرات- يرى أنه من المهم تقديم من تلطخت أيديهم بدماء الثوار خلال الفترة المقبلة إلى القضاء، وحظر وجود السلاح ومعرفة مصادر تمويل الأحزاب من خلال قانون حقيقي.

ماذا سيحدث؟
ويتوقع الكاتب والمتابع للشأن السياسي محمد هديرس ظهور قوى سياسية جديدة، وأن يتم الحد من نفوذ أحزاب السلطة، واستعادة القضاء استقلاليته في اتخاذ القرار، وأن يفكر النائب الفائز أن هناك شعبا يحاسب ليس كالسابق، وخلق جهة معارضة حقيقية في البرلمان مما تؤدي إلى استقرار النظام.

ويقول الكاتب صالح الحمداني إن ثورة الشباب حلم داعب مخيلة الثوار منذ عقد، وقد حققت قوانين عادلة للعراق الذي يستحق كل تضحياتهم.

وتوقع الحمداني -في حديث للجزيرة نت- أن يحصد الشباب ثمن التضحيات والاحتجاجات في الساحات، متمثلا بوطن سيد على أراضيه وخال من تدخلات الأجانب وتحكمهم بخيراته، كما توقع محاسبة قتلة الثوار والفاسدين.

ويعتبر النائب عن كتلة سائرون غايب العمري أن عراق ما بعد الانتخابات -وفقا للقانون الجديد- سوف يكون أفضل من العراق الحالي، لأن قانون الانتخابات سيقلص حظوظ الأحزاب المتنفذة طوال الـ16 عاما الماضية.

وأضاف للجزيرة نت، أن شخصيات "تكنوقراط" مهنية مستقلة سترتقي إلى مجلس النواب حينها، وسيكون مخرجات البرلمان بهذه الاستقلالية صحيحة بما فيها تشكيل الحكومة.

سقوط أيديولوجيات
واعتبر الأكاديمي في جامعة ذي قار حازم هاشم أن الحركة الاحتجاجية في العراق جاءت ضمن سلسلة تظاهرات سلمية انطلقت منذ 2011، وقد آمنت بطريقة الحراك الجماهيري الذي يؤدي لإسقاط الأنظمة أو تحقيق المطالب، وقد استعملت الأطر نفسها، وهي الثقافة الإلكترونية والفيسبوك بتحديد حركة الجموع البشرية.

ويضيف هاشم، يختلف هذا الحراك عن كل حراك سابق مما جرت عليه العادة بقيادة مدنية ديمقراطية. الآن هو خليط بين كل قطاعات الشعب من مدنية وعلمانية وإسلامية، وهو تغيير نوعي حيث ابتعد عن ثقافة النخب الموجودة في السنوات السابقة، واستطاع هذا الجيل الشبابي أن يسقط بثورته الأيديولوجيات الكبرى.

وهي أيضا أول مرة تستطيع التظاهرات الشعبية إقالة مسؤولين كبار من مناصبهم، كما يتحدث هاشم، ولأول مرة تشهد ردة فعل عنيفة ودموية من السلطة، وأسقطت أيضا التظاهرات مفاهيم جرى تكريسها من قبيل حركات المقاومة والحشد الشعبي الذي يمتلك قيمة معنوية، وهي الآن سقطت بدليل أن الشعارات التي رفعت كانت واضحة "شلع قلع كلهم حرامية والكالها وياهم".

ويتابع أن هذه الإشارات الصريحة في الشعارات أنهت رمزية كانت موجودة تحت عناوين دينية، وحوادث حرق مقرات ومكاتب تنتمي لمؤسسات دينية ومليشياوية، دليل واضح على ذلك السقوط.

واعتبر أن غياب القيادة الصريحة والواضحة للمحتجين أعطى مساحة من الحرية والمصداقية للاحتجاجات، وهي الأكثر نصوعا وبياضا في كل تاريخ العراق ضد نظام 2003، ولم تشهد أي حركة مثل هذا الجنوح والاندفاع العالي.

المصدر : الجزيرة