ساحات الاعتصام في العراق.. أهميتها ورمزيتها

جانب من الاحتجاجات والاعتصامات التي شهدتها ساحة التحرير الشهر الماضي (غيتي)
جانب من الاحتجاجات والاعتصامات التي شهدتها ساحة التحرير الشهر الماضي (غيتي)
 
تسمية الساحات البارزة عادة لا تأتي من فراغ إذ تكون لها دلالتها، وفي العراق فإن ساحات الاعتصام التي شهدتها مدن عراقية عدة لها مسميات عرفت بها تشير إلى مكانتها ورمزيتها التاريخية عند العراقيين. 
  
جسدت احتجاجات العراق الأخيرة مقولة "التاريخ يعيد نفسه واقعا وربطت ماضي البلاد بالحاضر"، هكذا وصف أستاذ التاريخ الدكتور منير عويد مجريات الأحداث من حيث رمزيتها في نفوس العراقيين.

وأوضح عويد للجزيرة نت أن أغلب ساحات الاعتصام هي إما رمز يعبر عن ثقافة العراق كالحبوبي بذي قار (جنوبي البلاد)، وإما تاريخ يشيد بمآثر وشجاعة العراقيين ومناهضتهم للظلم وسعيهم من أجل الحرية من مثل ساحة ثورة العشرين بالنجف (جنوب) والتحرير وسط بغداد.

واعتبر أن اختيار أماكن التظاهر دليل وعي المحتجين وفهمهم لما يرنون له.

جسر الحضارة قرب ساحة الحبوبي بالناصرية (الجزيرة نت)

ساحة الحبوبي
للاحتجاجات بذي قار رغم اتجاهها السياسي فإن لها وشاحا ثقافيا عكَس مدى إدراك المنتفضين لمبتغاهم، وأنها لم تكن فوضوية كما يصفها البعض وخاصة من الطبقة السياسية، هذا ما قاله ناصر حسان الحمداني عن سبب اختيار ساحة الحبوبي مقرا للاعتصام.

واعتبر أن تسمية الساحة جاءت نسبة للثائر محمد سعيد الحبوبي، مشيرا إلى أنه ليس شاعرا وأدبيا فحسب، بل أحد رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني.

وأضاف "لهذا فأهل الناصرية يعرفون أنه واجب أن يكون الحبوبي ملتقاهم ضد الأحزاب الفاسدة، ويعرفون من أين يبدؤون، ولهذا فهذه الساحة كالعادة منطلق أبناء ذي قار بوجه الظلم بقيادة روح شهيدهم الرمز".
 

ساحة العشرين بالنجف (مواقع التواصل)

ساحة ثورة العشرين
ساحة ثورة العشرين بالنجف (جنوب بغداد) لها ذاكرة تاريخية يتفاخر بها العراقيون كونها رمزية ثورة عراقية خالصة تناقلت سيرتها الأجيال، ولهذا فهي ملهمة للنفوس الثائرة، هذا ما يراه المتظاهر كرار محمد عساف عاملا منطقيا للتجمع بهذه الساحة.

ويقول عساف إن النجف شرارة ثورة العشرين ومصدر الفتوى الجهادية ضد الاحتلال الإنجليزي عند عدم إيفاء دول الحلفاء بالوعود المقطوعة للعرب بنيل الاستقلال، مضيفا "وها هم أبناء النجف اليوم يعيدون ثورتهم حين تأكدوا من عدم إيفاء الحكومة الحالية بالوعود المقطوعة للشعب بالرفاهية وتأهيل الخدمات ورفع الحيف عنهم".

المحتجون في العراق يواصلون اعتصامهم وتمسكهم بمطالبهم بإجراء تغييرات وإصلاحات (رويترز)

التحرير قلب بغداد
ساحة التحرير هي القلب النابض لعموم المظاهرات بالعراق كونها قلب العاصمة بغداد، هكذا يراها المتجمعون بها منذ بدء الاحتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بحسب بهاء محمد الركابي أحد المرابطين بالتحرير منذ أكثر من شهرين.

وأضاف الركابي أن الساحة تضم نصب الحرية الذي يعد التعبير الصادق عن كسر القيود والتخلص من العبودية، مشيرا إلى أنه ما دامت ساحة التحرير بيد المتظاهرين فالمظاهرات مستمرة حتى تلبية المطالب.

كما أنها إشارة ودافع لباقي المحافظات على أن قلب بغداد بيد الثوار المدافعين عنكم والمطالبين بحقوقكم فهي بمثابة رسالة طمأنة "أنّا باقون". 
 
ويقول الناشط الإعلامي وعضو مركز الشبكة للتنمية والتطوير عبد العزيز العبدلي إن ساحة التحرير امتداد للحراك الشعبي منذ 2011، وهي قبلة الثائرين منذ ذلك اليوم ولم يرض المتظاهرون بمكان آخر رغم محاولات جرهم لداخل الأحياء السكنية.

أما نصب الحرية وسط الساحة فهو يسرد أحداث ثورة 14 يوليو/تموز 1958 وأثر هذه الثورة على العراقيين، ولعل أهم ما يجذب الانتباه هو الجندي الذي يكسر قضبان السجن لما فيه من قوة الإصرار ونقطة تحول من مرحلة الاضطهاد والغضب والمعاناة إلى الحرية والازدهار، وكذلك الأم التي تحتضن ابنها الشهيد، وهذا أبرز ما تجسّد بالثورة العراقية، فلهذا للنصب أثر واضح على المجتمع العراقي وعلى مختلف الثورات والعصور فلم يكن اختيارا عشوائيا.

وبتصريح للجزيرة نت، أكد الكاتب والصحفي علي البيدر أن رمزية الأماكن المنتقاة من قبل المناهضين للأحزاب بعموم المحافظات المنتفضة ألهبت حماس الجمهور، وأظهرت اختيار المتظاهرين لها عن دراية.

وعن ساحة التحرير، يقول البيدر أنها أصبحت أشبه "بهايد بارك كورنر" في لندن أو تمثال الحرية وسط نيويورك لما تحتويه من معالم النصب المشيد بطرف الساحة الذي يُسَطّر جوانب مهمة من تاريخ العراق، وهذا يدل على الوعي الذي يتحلى به المتظاهرون بعيدا عن الانتماءات الفرعية وتعزيزا للزخم الجماهيري الذي تسبب في تعاطف الشعب معهم لديمومة هذه الاحتجاجات.

 

النظرة السياسية
لم يبتعد الرأي السياسي كثيرا عما قاله الناشطون عن اختيار ساحات دون غيرها للتظاهر، ففي تصريح للجزيرة نت قال المحلل السياسي حسن العلوي إن اختيار الساحات من قبل المتظاهرين سليم وموفق، وجاء من دراسة تاريخ الانتفاضات العراقية، ودال على أن المنتفضين أصحاب ذاكرة وطنية.

وهو ما ذهب إليه السياسي نور الدين الحسني بأن هناك توجيها من الطبقات المثقفة للاعتصام بهذه الساحات لإحياء الماضي كمُلهمٍ للحاضر وللمحافظة على الروح الوطنية التي تدفع لسلمية الاحتجاجات.

ويخالف الإعلامي ومقدم برنامج "مع الحدث" أيسر البدري العلوي وآخرون دلالة الوعي في اختيار الساحات، إذ يشير إلى التباين في الوعي لدى المتظاهرين، مؤكدا وجود طبقة واعية وأخرى متوسطة وشريحة ثالثة محدودة الثقافة الذين لا يعني لهم الوجود بتلك الساحات شيئا تاريخيا مهما بقدر ما أنها ساحة معروفة بالمحافظة ومكان عام لا أكثر.

وعن اختيار ساحات محددة للاعتصام، اعتبرها القيادي في ائتلاف النصر أحمد ريسان الحمداني أن لها دلالتها الكبيرة، معربا عن تفاؤله بأن الثورة الحالية ستنتصر بسبب ارتباطها بذاكرة ومبادئ وطنية للثورات الحقيقية التي حققت مبتغاها عبر تاريخ العراق، ويؤكد الحمداني أنها الأرقى بين الاحتجاجات التي أعقبت غزو الأميركيين للبلد في 2003.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: