بسبب التطورات الإقليمية.. هل تتخلى الجزائر عن عرفها العسكري؟

حفل تخرج إحدى دفعات ضباط الجيش الجزائري من أكاديمية شرشال غرب الجزائر العاصمة (رويترز)
حفل تخرج إحدى دفعات ضباط الجيش الجزائري من أكاديمية شرشال غرب الجزائر العاصمة (رويترز)

فاطمة حمدي-الجزائر

 
 لم يمر إعلان الرئاسة الجزائرية عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن بالبلاد برئاسة الرئيس الجديد عبد المجيد تبون وحضور رئيس أركان الجيش بالنيابة سعيد شنقريحة مرور الكرام على الرأي العام الجزائري والدولي.

وقد جاء الإعلان بعد سنوات عديدة عن آخر لقاء معلن للمجلس الأعلى الذي خرج بقرار ضرورة إعادة تفعيل الدور الجزائري إقليميا ودوليا مباشرة بعد دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلا من تونس وقطر والجزائر لحضور مؤتمر برلين لمناقشة الوضع الليبي.

وتساءل مراقبون عن خلفية القرار الذي خرج به المجلس، وما إذا كان يرمي إلى خلع الجزائر عباءة عدم التدخل خارجيا، وتبني متطلبات الدور الإقليمي الذي تبحث عنه منذ الاستقلال، أم أنها مجرد نقلة نحو أدوات حوارية ووسائطية جديدة بعيدا عن "إقحام" جيشها في الصراعات الداخلية لدول الجوار.

عقيدة عسكرية
بعقلية المراقب والرجل المصلح اكتفت الجزائر منذ انتزاعها الاستقلال قبل 58 عاما بسياسة الانكفاء على الذات وعدم الخروج من دائرتها إلا من أجل الوساطة، لتساهم في حل الأزمات ويرتبط اسمها بالسلم، في الوقت الذي ينتقد البعض حيادها.

"اتفاق الجزائر" التاريخي الذي حل أقدم وأشرس اقتتال في أفريقيا بين إثيوبيا وإرتيريا، والوساطة التي لعبتها لحل الأزمة في مالي إلى جانب المساعي في ليبيا ودول الساحل الصحراوي، وغيرها من المبادرات لم تشفع للجزائر أمام من أرادوا منها إثباتات للقب "القوة الإقليمية".
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال حفل تنصيبه رئيسا للجزائر (الأوروبية)

وحرصت الجزائر طوال العقود الماضية على الالتزام بمنطق أن "جيشها قوة سلم وأمن"، وهي لا تشارك في أي "حرب" خارج الحدود، محتفظة بدورها فيما يتعلق بدعم حركات التحرر في مناطق عدة بالعالم.

ولا تتنازل منذ ما يقارب الستة عقود ولا تتفاوض على خيارها الإستراتيجي القائم على عدم إرسال قواتها للقتال خارج الحدود، حتى في أسوأ الظروف التي مرت بها كاقتحام قنصليتها في مالي واختطاف 7 دبلوماسيين من قبل إحدى الجماعات الإرهابية.

لم يدفع اقتحام قاعدة بترولية بأقصى الجنوب الشرقي للبلاد مطلع 2013 الدبلوماسية الجزائرية لتغيير إستراتيجيتها، بل تمسكت بمقاربتها المتحفظة، ملتزمة بالبقاء على بعد نفس المسافة من جميع الأطراف وحل أي نزاع بالطرق الناعمة السلمية.

الدور الإقليمي والدولي
يدفع مراقبون بفكرة أنه حان الوقت لتلعب الجزائر أدوارا تناسب حجمها، في الوقت الذي ترفض الخروج عن مبدئها، فكانت ضد التدخل الأجنبي في مالي وليبيا، وحتى التدخل العربي في الأزمة اليمنية.

ورغم الضغوط الدولية التي واجهتها الجزائر لتكون جزءا من التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط منذ 2011 وارتفاع الأصوات المطالبة لها بالتحرك بجيشها فإن الدبلوماسية الجزائرية ظلت تراوح مكانها، متمسكة بموقفها الأول.

جنازة رئيس الأركان الجزائري الراحل أحمد قايد صالح (الأوروبية)

والتزمت الجزائر خيارات يرى المتابع للساحة السياسية الجزائرية أنها كانت "أنجع وأقل تكلفة، كسرا لما يسميه البعض مبدأ العزلة، دون خيانة العقيدة العسكرية".

ولم يشارك جندي واحد جزائري في أي عملية خارج بلاده منذ ما يقارب الستة عقود، واحتفظت الذاكرة الجماعية للبلاد بخروج الجيش مرتين في تاريخه خارج الحدود (عاما 67 و73) ضد الجيش الإسرائيلي.

التزام
يرجع المختص في الدستور الدكتور ناصر بوغزالة تمسك الجزائر بمبدئها ذاك رغم الضغوطات "للالتزامات بلوائح الأمم المتحدة عكس بعض الدول الأعضاء التي تتذرع بحجج غير حقيقية لإرسال جيوشها لتعميق الصراعات بدل إخمادها كما تدعي".

وأضاف بوغزالة في تصريح للجزيرة نت أن إعلان الرئاسة عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن لم يكن بالأمر العفوي وإنما مقصود "ذلك أن هذا النوع من اللقاءات لا تعلن وإنما تكون مستترة، وإعلانها يحمل غاية ورسالة للخارج".

واعتبر المتحدث أن إعلان اللقاء في هذه الفترة بالذات "يحمل رسالة لدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان"، موضحا أن "أحد أبرز أهداف لقاء رئيس الجمهورية بالقيادات العسكرية ورئيس الحكومة كان يهدف "لإعلان خطر ما يقترب من الجزائر".

لن تتدخل عسكريا
في المقابل، استبعد المراقب الدولي السابق للأمم المتحدة أحمد كروش تجاوب الجزائر مع دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مشيرا في تصريحه للجزيرة نت إلى أنه " يستحيل أن تدخل الجزائر طرفا ضد أشقائها الليبيين".

وأضاف المتحدث أن "ما يقع في ليبيا سوف يؤثر على الجزائر، وهذه الأخيرة لن تبعث بجيشها خارج الحدود، وحتى بيان الرئاسة جاء فيه أن الجزائر سوف تتخذ إجراءات أمنية من أجل حماية حدودها، وسوف تفعل سياستها الخارجية من أجل إيجاد حلول فيها".

واعتبر الخبير الأمني أحمد كروش أن "الحدود الجغرافية التي تجمع الجزائر بليبيا والتي تمتد على ما يزيد على 1000 كلم تجعل عدم استقرار إحداهما تؤثر بالضرورة على الأخرى".

وتوقع الخبير الأمني "نشوب حرب خلال الأسابيع القليلة المقبلة على الأراضي الليبية، وستشهد حربا مصغرة وقد تكون إقليمية، الأمر الذي جعل الجزائر تستشعر خطورة الأمر وتسرع بإجراء اجتماع مجلسها الأمني الأعلى".

المصدر : الجزيرة