الدفاع المدني السوري.. المسعف الجريح

تعمل فرق الدفاع المدني السوري تحت القصف بدافع إنساني (مواقع التواصل الاجتماعي)
تعمل فرق الدفاع المدني السوري تحت القصف بدافع إنساني (مواقع التواصل الاجتماعي)

منتصر أبو نبوت-ريف حلب

يضع يده فوق جبينه حتى يحجب بعضا من أشعة الشمس عن عينيه، ينظر إلى السماء وينصت بهدوء كي يسمع صوت هدير الطائرة القادم من بعيد.

ما هي إلا دقائق معدودة حتى تسارعت دقات قلب عمر حمود (أبو شادي) بعد أن أفرغت طائرة حربية للنظام السوري كامل حمولتها على قريته بريف حلب الغربي، ارتدى حينها خوذته وانطلق مع زملائه في الدفاع المدني السوري إلى مكان القصف لإنقاذ الناس وانتشالهم من تحت الأنقاض.

يقضي حمود وزملاؤه ساعات الليل والنهار في الانتقال من قرية إلى أخرى، ومن حي إلى آخر بعد كل غارة أو قذيفة.

لم يمض وقت طويل حتى وصلوا إلى المكان، وكانت المفاجأة التي صدمت حمود، فقد استهدفت الغارة منزله الذي سوي بالأرض وبداخله عائلته، وأخذ ينتشل والدته وزوجته وابنته بيديه جثثا من تحت ركام المنزل.

يهرع منسوبو الدفاع المدني إلى مكان القصف لإنقاذ المدنيين وانتشالهم من تحت الأنقاض (الجزيرة)

فاجعة
لم تكن اللحظات الأولى التي شاهد فيها أبو شادي أهله بتلك الهيئة سهلةً، فقد فجع بهم دون أن يكون قادرًا على تصديق ذلك حتى بعد مضي ثلاث سنوات على الحادث المؤلم، بحسب ما صرح للجزيرة نت، إذ يعتبر ما حدث بمثابة حلم قد يصحو منه في أي لحظة.

وأضاف أن المشهد المؤلم يتكرر أمامه كلما ذهب إلى مكان لإنقاذ المدنيين بعد كل قصف ينفذه النظام السوري أو روسيا، مؤكدا أن رؤيته لأكوام الركام تدفعه في كل مرة إلى التعامل مع هذا الأمر على أنه يبحث عن ابنته أو زوجته أو أمه، وهذا ما يجعله يصبر على عمله المحفوف بالمخاطر بشكل دائم.

عزيمة وإصرار
ورغم فداحة المصاب بفقد أعز الناس، فإن حمود رفض أن يتسلل اليأس إليه، فهو ينظر إلى الجانب الإيجابي ويتذكر دوما أن والده نجا من القصف وتم إسعافه إلى المستشفى الميداني، مما يزيده عزيمة وإصرارا على الاستمرار بعمله وقضاء أوقات أطول مما كانت عليه قبل حادثة "الجينة"، وفق كلامه.

وعلى خطى حمود نفسها يسير زميله عبدو طارق الذي فقد أخاه أثناء عمله في الدفاع المدني، وقال طارق للجزيرة نت إنه عزم على العمل في الدفاع المدني واستكمال مشوار أخيه الفقيد ورسالته النبيلة في مساعدة المدنيين، في ظل عدم وجود تدخل دولي حقيقي لإنهاء مأساة السوريين عموما.

تقضي فرق الدفاع المدني ساعات الليل والنهار في الانتقال من قرية لأخرى ومن حي لآخر بعد كل غارة أو قذيفة (الجزيرة)

عمل تحت القصف
بدافع إنساني بحت يتحمل رفقاء المهنة المخاطر الكبيرة التي تواجه فرق الدفاع المدني، والتي تتمثل غالبا في عودة الطائرات الحربية إلى قصف الأماكن المستهدفة أثناء عملية الإنقاذ، على حد قول طارق.

وقال إنه نجح مرة في إخراج طفلة تبلغ من العمر خمسة أعوام من تحت الأنقاض قبل أن تنفذ الطائرات الحربية غارتها الثانية على المنزل ذاته في مدينة الأتارب بحلب، ويتساءل دائما عن حال ذويها كيف ستكون لو لم يخرجها بعد الضربة الأولى؟

المصدر : الجزيرة