محتجو العراق: نحن من دم ووطن واحد

من طلاب جامعة بغداد إلى ملمعي الأحذية، جميع المحتجين العراقيين يقضون ليلهم ونهارهم في المطعم التركي، ذلك المبنى المهجور المكون من 12 طابقا والذي يطل على ساحة التحرير وسط العاصمة.

ففي هذا المكان، كما يصفه مصور صحيفة لوموند الفرنسية لوران فان دير ستوكت، يسيطر عليه الشباب المحتجون منذ 24 أكتوبر/تشرين الأول، قبل ساعات قليلة من استئناف الاحتجاجات ضد السلطة، وذلك لمنع القناصة من اتخاذه موقعا لهم، خاصة أن المحتجين مقتنعون بأنه من فوق هذا المكان تم قنص العديد من زملائهم مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وبدون وجود هذه القلعة المرتجلة، رأت الصحيفة أن إخضاع ساحة التحرير، القلب الرمزي لحركة الاحتجاج الوطنية، كان سيتم بسهولة بالغة.

ومن هذه القلعة المهجورة، جمع ستوكت لصحيفته شهادات العديد من المتظاهرين الشباب وشخصيات المعارضة الذين أكدوا أن لا فرق بين أي منهم على أساس الدين أو المنطقة التي ينتمي إليها فكلهم عراقيون طموحهم الوصول إلى وطن يستوعب الجميع ويعاملهم بعدالة وبدون تفريق.

ومن بين المحتجين نجم (18 عاما) القادم من محافظة الأنبار (غربي البلاد) إلى بغداد، يقول إنه قدم "للتعبير عن مطالب الناس بتحرير البلاد من الفاسدين ومن الأحزاب".

حماية الميدان
الجميع هنا -يقول المصور- يعرفون أن معارضة الحكومة والمليشيات تعني المخاطرة بالاعتقال أو الاختفاء دون أن يعرف أحد من الذي اختطفهم، وقد حدث ذلك بالفعل للعديد منهم أثناء العودة إلى منازلهم.

يقول أحمد (13 عاما، من مدينة الصدر شرقي بغداد) إنه انضم إلى الاحتجاج للمطالبة بأبسط الحقوق، كالماء والغذاء والكهرباء، ويدين القمع "أنا أرتدي سترة مضادة للرصاص. ماذا فعلت؟ يطلقون النار علينا بالذخيرة الحية عندما نطلب الأشياء الأساسية التي كان يجب عليهم توفيرها لنا".

وأشار المصور إلى أن هؤلاء الشباب ليسوا ممن عاش في ظل النظام الديكتاتوري لصدام حسين، كما أنهم لم يتعرضوا لصدمة الغزو الأميركي وعواقبه، بل إن آباءهم هم من وضعت الأصفاد في معاصمهم، وأمهاتهم اللاتي أخرجن من غرفهن أثناء المداهمات الليلية، أيام الأبواب المحطمة والعائلات المهينة تحت الاحتلال.

ويدين عمار (17 عاما) -الذي يعيش في منطقة المدينة المنورة في بغداد ويدرس ليصبح ضابطا- "مجتمعا عراقيا مبنيا على الفساد والوساطة".

ولولا هؤلاء الشباب -يقول المصور- الذين لم يعانوا مما عانى منه آباؤهم، لما قامت هذه الانتفاضة الوطنية التي تجمع كل الأديان وجميع الطبقات الاجتماعية وجميع الأجيال.

ويضيف: إنه شباب ليس له قائد، والشيء الوحيد المهم بالنسبة له هو الحفاظ على ساحة التحرير.

ورغم اليأس في بعض الأحيان من جدوى ما يقومون به، فإنه من المؤكد أن العراق لن يعود كما كان بعد اليوم، كما يرى المصور.

فهذا حيدر (17 عاما) من منطقة الدورة في بغداد، يقول في الختام إنه يريد تأمين مستقبل أفضل لبلاده "لقد بدأ الناس يفكرون. لقد تجاوزوا مشاكل الطائفية بين الشيعة والسنة. لم يعد من الممكن للمسلم أن يقتل مسلما آخر ولا أن يقتل مسلم مسيحيا، نحن من نفس الدم ونفس الوطن". 

المصدر : لوموند