أحمد قايد صالح.. رجل المفاجآت الذي أخرجه الحراك للواجهة

الراحل قايد صالح لقب بالرجل غير المتوقع نتيجة مواقفه المتغيرة تبعا للظروف السائدة في البلاد (الأناضول)
الراحل قايد صالح لقب بالرجل غير المتوقع نتيجة مواقفه المتغيرة تبعا للظروف السائدة في البلاد (الأناضول)
فاطمة حمدي-الجزائر
 
لم يكن رئيس الأركان الجزائري الفريق أحمد قايد صالح قبل الحراك الشعبي كثير الظهور، حتى أن غالبية الجزائريين لا يعرفون صوته، ولا يتابع الشعب تحركاته وخرجاته الميدانية. ولكن تغير الأمر تماما بعد خطابه في 26 فبراير/شباط الماضي، حين خرج مخاطبا مئات آلاف المتظاهرين الذين طالبوا بالتّغيير، واصفا إياهم بـ"المغرر بهم".
 
وقد استطاع قايد صالح أن يظفر بلقب "الرجل غير المتوقع"، فكان يختار في كل مرة مسلك المفاجأة، ولا تستقر مواقفه على وتيرة واحدة، فكانت تتماشى في كل مرة والظروف المحيطة وفق معطيات الشارع ومتطلبات الدولة.

وفي يوم إطلاق سراح سجناء الحراك ممن انتهت مدة حكمهم في السجون، رحل قايد صالح الرحيل عن عمر ناهز 79 عاما عقب إصابته بنوبة قلبية، وبعد شهور من انطلاق الحراك الشّعبي الباحث عن التغيير الجذري لمنظومة الحكم في البلاد.



اختار الحراك
لا ينسى الجزائريون الموقف الذي تبناه قايد صالح، بعد أن اشتدّ ظهر الحراك في أسبوعه الثاني والجمعة الثالثة، حين خرج الجزائريون بالملايين إلى الشوارع للوقوف في وجه ترشح الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة.

آنذاك خاطب رئيس هيئة الأركان الشعب ومحيط الرئيس بوتفليقة مشددا على "ضرورة إعلان حالة شغور منصب الرئيس استجابة للمطلب الشعبي"، ليتخندق بذلك مع الحراك ويكون ورقة ضاغطة ويجبر بوتفليقة على الخروج من قصر المرادية حتى قبل انقضاء ولايته الرابعة.

واستطاع أن يستحوذ قايد صالح على المشهد في البلاد، خاصة بعد أن وقف في وجه حليفه بوتفليقة، رغم أنه كان من أنصار الولاية الخامسة قبل انطلاق الحراك. يقول المحلل السياسي مروان لوناس "القادة العسكريون الذين كانوا يحيطون بقايد صالح لعبوا دورا كبير في انحيازه للحراك وتجنّب المواجهة مع الشعب، وهي نقطة إيجابية تحسب له".

ويرى لوناس في تصريحه للجزيرة نت أن قايد صالح كان له دور كبير في إرغام بوتفليقة على التخلي عن السلطة، رغم أنه هو من وضعه على رأس قيادة أركان الجيش.

وقد تعهد الراحل قايد صالح في خطاباته بعدم إراقة قطرة دم واحدة في الجزائر، واستطاع أن يفي بوعده، فرغم بلوغ الحراك أسبوعه الـ44 والمسيرات الـ44 التي خاضها الطلبة، لم يتورط الجيش الجزائري في العنف ضد الحراك والمتظاهرين.

رجل المفاجآت
"رجل المفاجآت"، هكذا يصف الجزائريون الفريق أحمد قايد صالح، الرجل الأول في المؤسسة العسكرية في البلاد، والذي ترجل عن الحياة اليوم بشكل مفاجئ، بعد أيام قليلة من ظهوره في مراسيم القسم الدستورية لتنصيب رئيس الجمهورية الجديد عبد المجيد تبون.

وتحقق مراد قايد صالح بإجراء الانتخابات الرئاسية التي تمسّك بها طوال الأشهر الماضية، ورغم مناهضة الحراك لخطته فإنه رفض الإدبار عنها ولا الحياد عن خياره السياسي، رغم انتمائه للمؤسسة العسكرية، مما جعل المتظاهرين يرفعون شعار "مدنية وليست عسكرية".

ويشير مروان لوناس إلى أن قايد صالح وضع نفسه "في مرمى النيران السياسية، لأنه كان الوحيد الذي يتحدث باسم الدولة الجزائرية، في ظل ضعف مؤسسة الرئاسة، وغياب رئيس الدولة الذي كان شبه مغيب"، وبالتالي تعرض رئيس هيئة الأركان للانتقادات من قبل الحراك والمعارضة على أساس أنه يخوض في السياسة.

وظل الرجل متمسكا بالحل الدستوري رغم رفض الحراك له، مما جعل الشارع يعتقد أن رئيس أركان الجيش ضرب بمطالب الحراك عرض الحائط، وذلك في الوقت الذي كانت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بحل سياسي وانتقال ديمقراطي، لكنه اختار "التمسك بانتخابات مثيرة للجدل".

محطات متباينة
وشكلت خطابات الفريق الراحل محطات طمأنة أحيانا وإثارة للجدل والسخط أحيان أخرى، إذ أمر في يونيو/حزيران الماضي بمنع رفع راية الأمازيغ الذي حملها بعض المشاركين في الحراك تعبيرا عن البعد الثقافي لمنطقتهم، وقد سجن من يصر على رفعها.

كما اعتبر وصف قايد صالح للمحتجين بـ"الشرذمة الضالة" بمثابة استفزاز للبعض، إذ رأوا فيها تنقيصا من قيمة الهبة الشعبية التي تشهدها البلاد منذ 22 فبراير/شباط 2019.

كما أثار قايد صالح الكثير من الاستغراب حين أشاد ببرنامج ومذيع تلفزيوني وضيوفه، وهذه كانت سابقة في خطابات كبار المسؤولين في الدولة، إلى جانب خطابه الذي أمر فيه بمنع وصول مركبات المتظاهرين القادمين من خارج العاصمة إلى ساحات التظاهر في أيام الجمع.



رسائل متبادلة
اختار قايد صالح أن يدخل في حوار غير رسمي مع الشعب، بعدما صمتت كل الأصوات غير هذين الصوتين، فبينما يخرج مئات الآلاف يومي الجمعة والثلاثاء للاحتجاج، يأتي رد رئيس الأركان في مختلف خرجاته الميدانية يومي الثلاثاء والأربعاء في أغلب الأحيان، ينتظر كل طرف رسالة الآخر منذ بدء الاحتجاجات إلى يوم رحيل الفريق.

يقول المحلل الجزائري لوناس إن "القيادة العسكرية جنبت البلاد سيناريو العنف، عكس ما حدث في أكتوبر/تشرين الأول 1988 عقب إلغاء نتائج الانتخابات، وحينها لجأت القيادة العسكرية ببساطة لاستخدام الرصاص ضد المحتجين، وهو ما لم يحدث مع الفريق الراحل".

ومن المواقف اللافتة للراحل إصراره على محاكمة من وصفهم بـ"العصابة"، والتي يقصد بها محيط الرئيس بوتفليقة وعدد من الشخصيات الوازنة أثناء فترة حكمه، في الوقت الذي كان يستعجل فيه الحراك رحيل بقايا نظام بوتفليقة.

وعن تأثير رحيل قايد صالح على الحراك الجزائري، يرى المحلل السياسي أن الحراك ليس مرتبطا بالراحل، ففي البداية كان بطلا في نظر الحراكيين، حيث كانوا يمجدونه، ولكنهم اختلفوا معه سياسيا بحكم أنه اختار الخوض في السياسة.

ويضيف لوناس "طالما كان الرجل يخوض في الشأن السياسي، فمن الطبيعي أن يكون هناك من اختلف معه ومن أيده، كما أن الحراك يتعامل مع المواقف لا الأشخاص".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة