رزق صلاح.. حكاية مواجهة الاحتلال في المؤبد وعلى الأرض

 
فادي العصا-بيت لحم
 
لا يملك الفلسطيني رزق صلاح سوى فأسه وإرادته للبقاء في أرضه المحاطة بالمستوطنات من كل جانب، رغم تهديد المستوطنين وتحريضهم على قتله أو إخراجه من أرضه، لكنه يعتبر الأرض عقيدة وهي جوهر القضية الفلسطينية وسبب اعتقاله لسنوات طويلة.

لم تكن حياة صلاح مستقرة قبل ذلك، فالرجل أمضى 21 عاما داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي بتهمة مقاومته، وكان محكوما بالسجن المؤبد قبل الإفراج عنه عام 2013 في صفقة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

استغربنا إصراراه على ركن مركبتنا قرب منزله في بلدة الخضر جنوب مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية المحتلة، ونصَحنا بالصعود إلى مركبته المُحملة بمجموعة من جالونات المياه، طالبا منّا التأكد من حمل البطاقة الشخصية وما يثبت مهنتنا الصحفية.

 
صلاح يكمل نضاله ضد الاحتلال بإصلاح أرضه لحمايتها من المصادرة (الجزيرة)
أرض عسكرية
سرعان ما أدركنا أن الأمر بحاجة لذلك، فأرض صلاح الزراعية تقع في منطقة أصبحت اليوم محاطة بالمستوطنات، ويسميها جيش الاحتلال الإسرائيلي بين فترة وأخرى أرضا عسكرية مغلقة يُمنع دخولها، ولكنه يقصد بذلك الفلسطينيين فقط دون المستوطنين.

بعد أن خرجنا من بلدة الخضر وسرنا قرابة أربعة كيلومترات في الشارع الالتفافي المار من أرضها والذي شُقّ لخدمة المستوطنين، يشير صلاح بيده إلى أرض خالية جرداء بعد أن انعطفنا يمينا تجاه شارع ترابي يمر أسفل بنايات المستوطنين، ويقول "هكذا كانت أرضي، وسأريكم ماذا صنعت".

ترجلنا من المركبة أمام بوابة حديدية تدخل إلى أرض صلاح التي يبدو أنه بدأ الاهتمام بها حديثا، ولم تنمُ الأشجار فيها بعد، ولكنها محاطة بالسلاسل الحجرية بشكل منظم، وموزعة فيها عرائش يربط فوقها الأسلاك استعدادا لنمو أشجار العنب بها.
يقول صلاح إن كل هذا العمل لم يعجب المستوطنين ولا جيش الاحتلال، فهم يريدون الأرض خالية حتى يسهل الاستيلاء عليها. حاولوا مرة منعه من دخول أرضه بتعليق لوحة على البوابة بحجة عدم ملكيته لها، لكنه توجّه للقضاء وأثبت أنه يملكها.
 
المستوطنات الإسرائيلية تحيط بأرض صلاح وتهدده بالقتل أو ترك الأرض (الجزيرة)
احتجاز وتهديد
ومن مساحة ثمانية دونمات -ورثها عن أبيه وأمه- طالب الاحتلال بدونمين على أنها "أراضي دولة" لدفعه على تركها، لكنه أصر على العمل في البقية وتوجّه للقضاء الإسرائيلي لإثبات ملكيته لكل الأرض.
احتجزوه مرات عدة بحجة دخوله منطقة عسكرية مغلقة بعد أن فشلوا في حجة الملكية، إلا أنه أصر على الوصول إليها، وأخيرا هدده أحد المستوطنين بالقتل إذا استمر بالمجيء إلى هذه الأرض، لكن تسلح مرة أخرى بقناعته بأنها ملك له لا يستيطع أحد منعه من دخولها.
تسير حافلة للمستوطنين قرب أرضه متجهة إلى بؤرة استيطانية حديثة، وترى من الجهة الأخرى الرافعات الحديدية، المعدة لبنايات كبيرة داخل مستوطنة "أليعازر" المقامة على أراضي الفلسطينيين في المنطقة، وتلتفت إلى الجهة الثالثة التي تظهر فيها مستوطنة "فرات"، كبرى مستوطنات التجمع "غوش عصيون" المقام على أراضي جنوب بيت لحم وشمال الخليل.
يقول صلاح للجزيرة نت إن طرقا كثيرة جرّبها الاحتلال والمستوطنون -المحاصِرون له من كل جانب- بشكل شبه يومي ضده في محاولة لإخراجه من أرضه، حتى إنهم استخدموا صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم للتحريض عليه بوصفه شخصا قاتلا بالنسبة لهم، وأسيرا سابقا أمضى سنوات طويلة داخل المعتقل.
 
جزء من أرض رزق صلاح مزروعة بالعنب وتظهر فيها العرائش الجاهزة لحمل العنب (الجزيرة)
الأرض عقيدة
يدعو صلاح الفلسطينيين الآخرين من أصحاب الأراضي المجاورة إلى أن يوجدوا فيها، ويشجعهم على عدم تركها، فإبقاء الأرض خالية يعني الاستيلاء عليها. وبقوة وعزيمة وإصرار ينكش حول أشجاره الصغيرة بفأسه تارة، ويسقيها بالماء الذي حمله بالجالونات من منزله تارة أخرى.
يرفع الرجل الخمسيني رأسه ويقول إن "عنوان القضية الفلسطينية هو الأرض، وحينما يترك الفلسطيني أرضه فإنها ستذهب إلى الاحتلال ومستوطنيه، وهذا ما لن أسمح به لأن عقيدتي وتاريخي النضالي كله كان من أجل الأرض، ولأجل ذلك عدت إليها وسأبقى فيها".
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة