بين التظاهر ومطالبات بعدم التدخل.. ترامب "نجم" الانتخابات البريطانية؟

بالون بهيئة الرئيس ترامب احتجاجا على زيارته إلى بريطانيا في يوليو/تموز 2018 (غيتي-أرشيف)
بالون بهيئة الرئيس ترامب احتجاجا على زيارته إلى بريطانيا في يوليو/تموز 2018 (غيتي-أرشيف)

الجزيرة نت-لندن

"ترامب، أرجوك لا تتدخل"، هذه العبارة لسان حال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي طالب صراحة خلال لقاء إذاعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم التدخل في شؤون بريطانيا المقبلة على انتخابات مصيرية وحاسمة يوم 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

موقف جونسون من ساكن البيت الأبيض لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لإصرار ترامب على إقحام نفسه في الشأن البريطاني، بداية من حثه المملكة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي مقابل الحصول على اتفاق تجاري "عظيم" مع الولايات المتحدة، مرورا بمواجهاته المفتوحة عبر تويتر مع عمدة مدينة لندن صديق خان، ووصولا إلى إبداء رأيه في قادة الأحزاب البريطانية الذين يعتبرهم إما أصدقاء أو خصوما.

وفي ما يبدو أنه نفاد للصبر البريطاني، لم يجد جونسون بدا من تذكير ترامب بأعراف العلاقات التي تجمع بلدين حليفين، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية، خاصة خلال الفترات الانتخابية، وذلك بعد أن تزايدت الضغوط عليه كونه يغض الطرف عن إساءات ترامب ويحابيه حفاظا على صداقتهما، ويوصف بأنه "النسخة البريطانية من ترامب".

جونسون يصفه البعض بأنه "ترامب بريطانيا" (رويترز)


خطوط حمراء
واستبق جونسون وصول ترامب إلى بريطانيا للمشاركة في قمة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بوضع خطوط حمراء أمام الرئيس الأميركي، أبرزها عدم إبداء أي موقف من الانتخابات البريطانية خلال فترة إقامته في البلاد.

وتحدثت تقارير إعلامية بريطانية وأميركية عن عدم إدراج أي اجتماعات ثنائية مطولة بين ترامب وجونسون خلال هذه الزيارة خوفا من تأثير أي لقاء بين الرجلين على مزاج الناخب البريطاني، في حين سيكتفي ترامب بلقاء الملكة إليزابيث.

ويغص سجل ترامب بالكثير من التصريحات المعبرة عن موقفه من زعماء الأحزاب البريطانية، مثل توجيه انتقادات شديدة اللهجة لزعيم المعارضة جيريمي كوربن ووصفه بأنه "لا يليق أبدا لقيادة بريطانيا".

في المقابل، يلقي ترامب بالكثير من الورود في طريق زعيم حزب بريكست الشعبوي نايجل فاراج، فهو في عرف ترامب "صديق وسياسي قادر على تحقيق عمل عظيم برفقة بوريس جونسون"، ما فهم منه أن ترامب يدفع نحو قيام حلف بين جونسون وفاراج، وهو ما يرفضه حزب المحافظين بالمطلق.

هذه العلاقة المتوترة التي يفرضها ترامب على العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة تتردد أصداؤها حتى في الشارع، فلا تمر أي زيارة للرئيس الأميركي إلى لندن دون خروج عشرات الآلاف من الرافضين لها إلى الشارع، وهو ما سيتكرر غدا الثلاثاء بتنظيم مسيرة كبرى تعلن عدم ترحيبها بساكن البيت الأبيض في بريطانيا، ومن المتوقع أن يطغى موضوع تدخل ترامب في الانتخابات البريطانية على الكلمات التي ستلقى خلال هذه المظاهرة.

ولعل الرئيس الأميركي لم ينسَ بعد كيف تم استقباله خلال أول زيارة له إلى بريطانيا عندما تم وضع بالون عملاق على هيئته حلق في السماء طوال مدة الزيارة، فصب ترامب جام غضبه حينها على عمدة المدينة صديق خان، متهما إياه بأنه هو من يقف وراء هذه المظاهرات.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن جلبر الأشقر "إن ما يقوم به ترامب من تدخل في الشؤون الداخلية لبريطانيا التي تعد من أهم حلفاء أميركا يعبر عن ثقافة قديمة لدى الرؤساء الأميركيين "الذين يعتبرون أن رئاسة أميركا تعادل رئاسة كل العالم".

ويفسر جلبر محاولات بوريس جونسون التبرم من ترامب بوجود تجارب سابقة أظهرت أن "تدخل ترامب لا يكون في صالح من تدخل لأجله"، مضيفا أن صورة الرئيس الأميركي "سيئة للغاية" لدى الرأي العام البريطاني٬ وهو ما يعلمه جونسون ويخشى من أن أي ربط بينه وبين ترامب سيكون له مفعول سلبي على حظوظ حزب المحافظين خلال الانتخابات المقبلة.

نايجل فاراج اعتبره ترامب "صديقا وسياسيا قادرا على تحقيق عمل عظيم برفقة جونسون" (رويترز)

انزعاج شعبي
ويضيف أن هذا الانزعاج الشعبي البريطاني من ترامب هو ما يفسر تركيز حزب العمال المعارض على إبراز العلاقة الودية التي تجمع جونسون بترامب، وأيضا توجيه الكثير من الاتهامات إلى حزب المحافظين بأنه يستعد لفتح الباب أمام ترامب للاستثمار في القطاع الصحي البريطاني "وهذا ملف بالغ الخطورة بالنسبة للمواطن البريطاني".

وبخلاف رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي التي تميزت علاقتها مع ترامب بالتوتر والكثير من الخلافات -خصوصا فيما يتعلق بإدارة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي- فإن الرئيس الأميركي سارع لإظهار الكثير من الود لبوريس جونسون فور وصوله إلى رئاسة الحكومة.

ويؤكد جلبر أن الصداقة مع الرئيس الأميركي باتت سبب اتهام لأي زعيم حزب بريطاني، خصوصا أنه لم يسبق أن حضرت العلاقة مع رئيس الولايات المتحدة كموضوع صراع في الانتخابات البريطانية كما حصل هذه المرة، وهو "أمر طبيعي" فترامب يعد من أكثر الرؤساء الأميركيين إثارة للجدل.

وكشف جبلر أن بوريس جونسون نفسه قبل وصوله للرئاسة سبق أن كتب مقالا ناقدا لترامب ووصفه بألفاظ نابية قبل أن يتغير الموقف تماما بعد اللقاء الأول بين الرجلين، مفسرا هذا الانقلاب في العلاقة بعلم جونسون أنه في حال الانفصال عن أوروبا سيحتاج لعقد اتفاق تبادل تجاري ضخم مع الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة