غاز المتوسط.. صراع القوة والنفوذ بين تركيا وإسرائيل

أوسل سفينة تركية محلية الصنع للتنقيب عن النفط والغاز شرقي المتوسط  (الأناضول)
أوسل سفينة تركية محلية الصنع للتنقيب عن النفط والغاز شرقي المتوسط (الأناضول)
 
يجمع محللون اقتصاديون وخبراء بالطاقة أن قرار تركيا توسيع نفوذها في المياه الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، يهدد مستقبل مشروع خط الأنابيب الإسرائيلي لنقل الغاز الطبيعي من البحر المتوسط إلى أوروبا.
 
ومع ذلك، يعتقد المحللون أن أصحاب القرار في تل أبيب يعون بأن تنفيذ المشروع وتكاليفه الباهظة لا تبرر أي تداعيات لتفاقم الأزمة السياسية مع أنقرة المتأزمة أصلا.
 
ولمنع تأزم العلاقات بين البلدين وفي محاولة من تل أبيب للإبقاء على قناة مفاوضات مباشرة مع أنقرة التي وقعت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، التزمت الحكومة الإسرائيلية الصمت حيال تحركات تركيا في شرق المتوسط حتى الآن.
 
لكن رغم الصمت الإسرائيلي الرسمي، أبلغ المسؤولون الحكوميون في تل أبيب أن مشروع خط أنابيب الغاز في شرق المتوسط الذي يحركه وزير الطاقة يوفال شتاينتس، سوف يبدأ تنفيذه قريبا.
 

 

كما صادق شتاينتس، هذا الأسبوع، على قرار يسمح للشركات الإسرائيلية تصدير الغاز الطبيعي من الحقول قبالة شواطئ إسرائيل إلى مصر، على أن يكون بدء التصدير بحلول يناير/كانون الثاني المقبل.

ويشمل المشروع الذي أقر بموجب اتفاقية وقعها وزير الطاقة الإسرائيلي مع نظيريه القبرصي واليوناني والسفير الإيطالي في قبرص في ديسمبر/كانون الأول 2017، مد أنبوب في أعماق البحر المتوسط بطول 1300 كيلومتر من حقلي "ليفياتان" و"تمار" الإسرائيليين شرقي المتوسط حتى جنوب اليونان.

ويضاف هذا المشروع البحري إلى خط أنبوب بري بطول 600 كيلومتر باتجاه غرب اليونان، بحيث يرتبط بشبكة أنابيب قائمة وصولا إلى دول أوروبية وجنوب إيطاليا، ويتوقع أن ينقل نحو 10 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.

صمت وتحرك
تسعى إسرائيل التي ما زالت تلتزم الصمت للحفاظ على الهدوء لتجنب تدهور العلاقات مع أنقرة، حيث نقلت صحيفة "غلوبس" الاقتصادية عن مصادر حكومية رفيعة المستوى بتل أبيب قولها "إسرائيل ليس لديها صراع مع تركيا. مشروع خط أنابيب الغاز له أهمية إستراتيجية بالنسبة لأوروبا، وهو مهم لإسرائيل أيضا".

وأضاف المصدر الحكومي الإسرائيلي "لدينا تعاون ممتاز مع اليونان وقبرص ومصر، حول مشروع خط أنابيب الغاز، وسيكون من دواعي سرورنا إذا كانت تركيا تريد المشاركة فيها أيضا".

لكن المصادر الإسرائيلية، رفضت التطرق إلى المعلومات التي تشير لوجود قناة مفاوضات دبلوماسية بين تل أبيب وأنقرة حيال مشروع خط الغاز الذي يحظى بموافقة ودعم دول الاتحاد الأوروبي.

وأكدت المصادر أن "إسرائيل ليست لديها رغبة في مواجهة مع تركيا بشأن المياه الاقتصادية لشرق البحر المتوسط"، الأمر الذي يعزز صحة المعلومات بشأن المفاوضات التي تجري بين البلدين من وراء الكواليس، وفقا للصحيفة.

صراع وتصعيد
وتساءل الباحث في الاقتصادي السياسي والمعلق في صحيفة "غلوبس"، عميرام بركات، هل ستنجذب إسرائيل إلى الصراع الإقليمي الناشئ في الشرق الأوسط بين تركيا واليونان ومصر وقبرص؟ ولكنه استبعد أن تتحول إسرائيل لمحور الصراع على غاز شرق المتوسط، رغم أنها ستبقى تحرك وتأجج الصراع مع تركيا من وراء الكواليس بما يتماشى مع مصالحها الإقليمية.

ويعتقد الباحث الإسرائيلي أن تركيا هي التي بدأت التصعيد الحالي قبالة تل أبيب، بإعلان أنقرة ضم مساحات واسعة من البحر إلى منطقتها الاقتصادية الخالصة، وهي الأراضي التي يعترف المجتمع الدولي بأنها تابعة لنفوذ اليونان وقبرص.

ويؤكد بركات أنه تم تفسير الخطوة التركية بإسرائيل على أنها تهدف إلى إحباط المشروع الإسرائيلي لبناء خط أنابيب تحت الماء من خزانات الغاز في إسرائيل ومصر وقبرص إلى دول أوروبية حتى جنوب إيطاليا، وذلك رغم التساؤلات الكبيرة بتل أبيب حول جدواه الاقتصادية والهندسية.

نفوذ وقوة
وفي معركة صراع النفوذ والقوة المشتعلة بهدوء بين إسرائيل وتركيا في الشرق الأوسط، يقول خبير قانون الطاقة في الجامعة العبرية بالقدس، دافيد كرونبلوث، إنه حتى دون الإعلان التركي الأخير بخصوص الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، لا يمكن لتل أبيب مد خط أنبوب الغاز وتدشين مشروعها دون موافقة تركيا، كونها الدولة الساحلية.

وبصرف النظر عن تركيا، يقول خبير الطاقة الإسرائيلي، فإن مشروع خط الغاز تعارضه روسيا بشدة كونها تريد ضمان استمرار اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي.

ويرى خبير الطاقة أن المصلحة الإسرائيلية في هذه المرحلة تقتضي عدم الانجرار إلى الصراع بين الرئيس رجب طيب أردوغان والنظام في مصر واليونان وقبرص، لافتا إلى أن الانزلاق للصراع من شأنه أن يعرض طرق التجارة البحرية الإسرائيلية للخطر.

وقال كرونبلوث إن "إسرائيل تجد نفسها بمشكلة شائكة ومعضلة كون الغالبية العظمى من التجارة الإسرائيلية، من الداخل والخارج، تمر عبر البحر المتوسط، لذا يجب على إسرائيل أن تدرس بعناية خطواتها في هذا الصراع".

 

تحالف وتقاطع
وعن خلفية الصراع بشأن النفوذ على شرق البحر المتوسط، ترى مستشارة الغاز المستقلة، جينا كوهين، أن تركيا التي تعتبر نفسها كحل تقاطع مركزي لنقل الطاقة من آسيا إلى أوروبا، تبدو وقد فقدت مكانتها ودورها لصالح نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر الذي يعزز تحالفه وعلاقاته مع إسرائيل بالسنوات الأخيرة.

وعزت كوهين تأجيج الصراع أيضا إلى التوقيع على اتفاقية حكومية دولية لتصدير الغاز من قبرص ومصر، وتوقيع اتفاقيات بين الشركات التجارية لتصدير الغاز من حقلي الغاز الإسرائيليين "تمار" و "ليفياثان" إلى مصر، وإقامة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، بمشاركة جميع دول المنطقة، باستثناء تركيا ولبنان.

من جانبه، يرى الباحث بالشأن التركي أستاذ علوم الشرق الأوسط في جامعة بار إيلان الباحث بالشأن التركي، آسا أوفير، أن ممارسات ومشاريع تركيا بالعقد الأخير تشير إلى مخطط أنقرة السيطرة والهيمنة على مياه البحر المتوسط، لافتا إلى أن اتفاق ترسيم الحدود مع ليبيا يعتبر بالنسبة لتركيا وسيلة لبسط نفوذها مجددا وخطف أوراق القوة.

ويعتقد أن الإجراءات التركية تعد جزءا من خطة شاملة لأنقرة للتوسع الإقليمي والبحري إلى جانب تعزيز وتعاظم البحرية التركية الأمر الذي يشكل تحديا لإسرائيل وحلفائها لسنوات قادمة، قائلا "يجب أن تستعد إسرائيل وفقا لذلك وأن تأخذ نية تركيا على محمل الجد".

المصدر : الجزيرة