وفاء لعطبرة.. قطار الاعتصام يعود إلى مهد ثورة السودان في ذكراها الأولى

استقبال حافل لقطار الثورة في عطبرة (الجزيرة)
استقبال حافل لقطار الثورة في عطبرة (الجزيرة)

أحمد فضل-عطبرة

استقبلت حشود من السودانيين في مدينة عطبرة شمال شرقي السودان قطار الثوار القادم من العاصمة الخرطوم استقبال الفاتحين. ورغم استمرار المعاناة من الظروف الاقتصادية، فإن سكان المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة السودانية يقولون إن الحرية لا تقدر بثمن، ويمكنهم التفاؤل بغد أفضل.

وعصر الخميس دخل القطار المعبأ بالثوار مدينة عطبرة بالتزامن مع الذكرى الأولى للحراك الثوري الذي تفجر من تلك المدينة يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2018.

ومنذ الصباح تحولت مدرسة عطبرة الصناعية التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات إلى مزار يحج إليه طلاب ومواطنو المدينة لتذكر ذلك اليوم الذي أحرقوا فيه مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك كرمز للاستبداد.

وقادت الاحتجاجات التي اندلعت من هذه المدينة إلى الإطاحة بالرئيس عمر البشير في نهاية المطاف يوم 11 أبريل/نيسان الماضي.


 

رحلة استثنائية
وحمل القطار مئات الثوار والثائرات بقيادة محمد ناجي الأصم من تجمع المهنيين السودانيين الذي كان في طليعة الحراك الثوري، ووزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي.

واستمرت رحلة القطار من الخرطوم إلى عطبرة نحو عشر ساعات، رغم أنها لا تتعدى عادة خمس ساعات، وذلك لأن القطار اضطر للتوقف كثيرا في الطريق خاصة في محطتي شندي والدامر.

وأحيا الثوار الهتاف المحبب في مهد الثورة عندما هتف المتظاهرون قبل عام "شرقت شرقت.. عطبرة مرقت".

وبعدما وصل القطار إلى محطة القطارات الرئيسية في عطبرة واصل الثوار طريقهم في مواكب إلى شرق المدينة، حيث تم إنشاء ساحة للاعتصام تحاكي الاعتصام الذي أقيم أمام قيادة الجيش في الخرطوم والذي تم فضه بالقوة يوم 3 يونيو/حزيران الفائت.

وسبق أن منح هذا القطار الثورة زخما عندما قام برحلته في الاتجاه الآخر وصولا إلى ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش يوم 23 أبريل/نيسان الماضي.

ومرة ثانية أطل قطار عطبرة على ثوار الخرطوم محملا بآمال الثورة، وتزامن وصوله مع مراسم التوقيع النهائي على وثائق الفترة الانتقالية يوم 17 أغسطس/آب الماضي.

وقد خرجت جموع من السودانيين إلى الشوارع اليوم الخميس احتفالا بمرور عام على الحراك الثوري الذي أسقط عمر البشير بعد حكم استمر ثلاثين عاما. وشارك الآلاف في مسيرات احتفالية بمدن عدة، بينما أغلق الجيش الطرق المؤدية إلى مقره الرئيسي في الخرطوم.


سعادة رغم المعاناة
ورغم مرور عام على الثورة التي أشعل شرارتها غلاء الخبز، دون أن تجد المشكلات الاقتصادية طريقها إلى الحل، فإن أهالي عطبرة يبدون سعداء بخلاصهم من النظام السابق.

ويقول الباقر حسن فرح (70 عاما) للجزيرة نت إن الحرية لا تقدر بثمن، بعد أن ظلوا مكبوتين ثلاثين عاما، مضيفا "الآن هناك أمل رغم المعاناة.. لقد كنت أخاف أن أموت دون أحضر زوال حكم البشير".

وتبدي فاطمة عبد المنعم (68 عاما) سعادتها قائلة إنها تحاملت على نفسها لحضور احتفاء السودانيين بالثورة التي انطلقت من مدينتها.

وتشير فاطمة إلى أن الحال أفضل من السابق، وإن كان الناس في عطبرة يطلبون المزيد، "لكن على الأقل الأدوية التي أتناولها باستمرار موجودة في الصيدليات".

أما محمد وداعة الله (40 عاما) فيقول إن الأوضاع قطعا ستتحسن، وإن السودانيين يمكنهم أن يعيشوا في رفاه، لأن النظام السابق سيطر على خيرات ومكتسبات البلد.

ثوار عطبرة يرون أن الحرية لا تقدر بثمن (الجزيرة)

 

صدى الذكرى
وقبل وصول القطار شهدت الساحة الواقعة شمال مدرسة عطبرة الصناعية الثانوية تدافعا للمواطنين والطلاب، حيث شهد المكان ذاته في مثل هذا الصباح قبل عام خروج مظاهرة للطلاب محتجين على مضاعفة سعر الخبز.

ومثل خروج طلاب هذه المدرسة في ذلك اليوم الفتيل الذي أشعل الثورة، قبل أن يتولى طلاب كلية الهندسة التابعة لجامعة وادي النيل والمجاورة للمدرسة قيادة وتنظيم الاحتجاجات التي تحولت إلى مظاهرة جامحة أحرقت مقري حزب المؤتمر الوطني والمحلية (مجلس المدينة).

ويقول الطالب أيمن عماد من المدرسة الصناعية "خرجنا السنة الماضية عندما فوجئنا بزيادة سعر ساندويتش الفول من 7 جنيهات إلى 15 جنيها".

ويتابع "اعتصمنا في الشارع الرئيسي، وعندما زاد عدد المحتجين من المدارس الأخرى والمواطنين خرجنا في مظاهرة لم تستطع الأجهزة الأمنية التصدي لها لكبر حجمها".

قطار الثوار قطع الرحلة إلى عطبرة في عشر ساعات (الجزيرة)


آمال وتحديات
وفي ذلك اليوم لم تتمكن الشرطة وجهاز الأمن من التعامل مع المتظاهرين رغم إحراقهم مقر الحزب الحاكم حينها ومكاتب المحلية، لكن مع استمرار المظاهرات ليومين اضطرت الأجهزة الأمنية للتصدي لها.

وفي يوم 21 ديسمبر/كانون الأول 2018 سقط أول قتيل في عطبرة، وهو طارق أحمد الطالب في السنة النهائية بكلية الهندسة في جامعة وادي النيل.

وتقول شقيقته ابتسام للجزيرة نت إنها تتمنى ألا تذهب تضحيات ودماء الثوار أدراج الرياح، لأن الثورة كانت عظيمة وما زالت في نفوس أهالي عطبرة.

وتشير إلى أنه رغم بقاء بعض المشكلات فإن الحكومة ما زالت في أول الطريق وما زال الوقت متاحا حتى تنجز مهامها.

ورغم تشكيل الحكومة الانتقالية على المستوى الاتحادي، تقول ليلى علي عثمان من تجمع المهنيين في عطبرة إن التغيير لا بد أن يمتد إلى الولاة العسكريين في الولايات.

وتؤكد أن الخبز الذي كان شرارة للاحتجاجات قبل عام لا يمثل مشكلة الآن، لأن "لجان المقاومة" في الأحياء تحكم الرقابة على حصص الدقيق في المخابز.

المصدر : الجزيرة