غضب حقوقي.. الحكومة البريطانية تتجه إلى تجريم حركة مقاطعة إسرائيل

من حملة للتضامن مع فلسطين في لندن حثا على مقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية (الجزيرة-أرشيف)
من حملة للتضامن مع فلسطين في لندن حثا على مقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية (الجزيرة-أرشيف)

لندن-الجزيرة نت

لم تمنع الأجندة المزدحمة لحكومة المحافظين في بريطانيا، رئيس الوزراء بوريس جونسون من أن يضع على سلم أولويات القوانين التي ينوي تمريرها في البرلمان، قانونا مثيرا للجدل يروم منع المؤسسات العمومية -خصوصا البلديات- من مقاطعة الشركات والمنتجات الإسرائيلية، وهو ما يشكل ضربة قوية لحركة مقاطعة إسرائيل، التي تنشط بكثافة في المملكة المتحدة.

الإعلان عن نية الحكومة البريطانية تقديم مشروع القانون، جاء على لسان المبعوث البريطاني الخاص لقضايا ما بعد المحرقة (هولوكست) إيريك بيكلز الذي وصف في محاضرة بالمعهد الدولي للحوار الإستراتيجي في القدس المحتلة حركة المقاطعة بأنها "حركة معادية للسامية، ويجب النظر إليها بهذه الطريقة".

ودعا النائب البرلماني السابق عن حزب المحافظين حكومة جونسون إلى الإسراع في اتخاذ إجراءات "تجعل من حركة المقاطعة حركة غير قانونية، وهو ما سيمنع المؤسسات العمومية من التعامل مع أي شخص أو جهة تدعو لعزل إسرائيل اقتصاديا".

تصريحات الدبلوماسي البريطاني دقت ناقوس الخطر في صفوف المؤسسات العاملة في بريطانيا والمنخرطة في حركة المقاطعة، التي باتت تترقب الصيغة التي سيتم بها تقديم هذا القانون إلى البرلمان، خصوصا أن البرنامج السياسي لحزب المحافظين خلال الانتخابات الأخيرة قد نص على "ضرورة منع الهيئات العمومية من اتخاذ قرارات أحادية للمقاطعة الاقتصادية لدول أجنبية". وبرر المحافظون هذا الإجراء بكون المقاطعة تؤثر على العيش المشترك في البلاد.

واستقبل أعضاء حزب المحافظين المنتمون إلى نادي "المحافظون أصدقاء إسرائيل" هذه التصريحات بالكثير من الترحيب، وأعادوا نشرها على صفحتهم الرسمية عبر تويتر، مما يجعل من تمرير القانون فور طرحه على البرلمان، مسألة وقت لا غير، بالنظر إلى الأغلبية المريحة التي بات يتمتع بها حزب جونسون.

ويتخوف الكثير من الناشطين في حركة المقاطعة أن يذهب القانون إلى أبعد الحدود من خلال النص على منعهم حتى من الاستفادة من خدمات المجالس البلدية في أنشطتهم، كحرمانهم من استغلال القاعات العمومية للندوات، وهي إجراءات باتت تعتمدها بعض المدن والولايات الأوروبية.

كامل حواش: أهداف حركة المقاطعة أخلاقية وقانونية (الجزيرة)

سيناريو ترامب
رغم الجدول المثقل بالملفات الحارقة التي تنتظر حكومة جونسون، خصوصا فيما يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن هذا لم يمنع حكومته من إخراج هذا القانون وفي هذا التوقيت الحساس، وهو ما يستغربه الأستاذ بجامعة برمنغهام كامل حواش الذي يرى أن للحكومة أولويات أخرى كان يجب التركيز عليها.

ويحذر حواش -وهو رئيس حملة التضامن مع فلسطين- في حديثه للجزيرة نت، من سعي بريطانيا للالتحاق بالخطوات التي انتهجتها العديد من الولايات الأميركية، بإعلان 20 ولاية عن قرار يقضي بحرمان أي مؤسسة تفكر أو تشجع على مقاطعة إسرائيل من الاستفادة من الصفقات العمومية.

ويضع مؤيدو إسرائيل في بريطانيا النموذج الأميركي نصب أعينهم، "ويحاولون تكرار نفس الوضع هنا في المملكة المتحدة، بغرض إسكات الصوت الفلسطيني وتخويف المؤسسات والهيئات التي تتعاطف مع القضية الفلسطينية".

وأمام المحاولات الحثيثة لإلصاق تهمة معاداة السامية لحركة المقاطعة، يؤكد كامل حواش أن أهداف الحركة "أهداف أخلاقية وقانونية، فهي تطالب بتحرير شعب محتل وعودة اللاجئين وعدم شرعنة الاستيطان، وهذه كلها مبادئ قانونية لا يمكن أبدا أن تتحول إلى تهمة".

ويعتبر الأكاديمي البريطاني من أصول فلسطينية أن إقدام الحكومة البريطانية على خطوة مشابهة قرار "أحمق وجائر"، متوعدا بأنه والعديد من الناشطين الفلسطينيين والبريطانيين سيطرقون جميع الأبواب -بما فيها حزب المحافظين- لمحاولة ثنيهم عن تبني هذا القانون "الذي سيكون بمثابة ضوء أخضر جديد لإسرائيل للاستمرار في انتهاكها لكل حقوق الشعب الفلسطيني".

وتتعدد الدوافع التي جعلت حزب المحافظين متحمسا لمثل هذا القانون، "أهمها دافع تصفية القضية الفلسطينية وإخراس أي صوت يدافع عنها"، مما يجعل من مخاوف محاكاة الحكومة البريطانية بقيادة جونسون لكل الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية "مخاوف مشروعة، فيمكن أن يكون هذا القانون مدخلا لنقل السفارة إلى القدس أو الاعتراف بشرعية المستوطنات".

وعن العلاقة بين حزب المحافظين وإسرائيل، يقدم كامل حواش إحصائية بليغة مفادها أن 80% من أعضاء الحزب منخرطون في نادي "المحافظون أصدقاء إسرائيل".

مظاهرة في لندن تطالب بمقاطعة البضائع الإسرائيلية (الجزيرة-أرشيف)

مفعول عكسي
يربط الناشط الفلسطيني زياد العالول بين مقترح القانون الجديد وحملات سابقة كان هدفها القضاء على حركة المقاطعة، "لكن في هذه المرة، احتمال تمرير القانون أكبر بوجود بوريس جونسون الذي سبق أن صرح أنه صهيوني حتى العظم".

ويعبر المتحدث باسم المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج عن ثقته بأن مثل هذا القانون لن يكون له تأثير على الموقف الشعبي من القضية الفلسطينية، "لأن حركة المقاطعة متغلغلة في المجتمع البريطاني وقد يستطيع منع البلديات، لكنه لن يكون قادرا على منع الأشخاص من مقاطعة إسرائيل".

وتوقع العالول أن يؤدي القانون -في حال إقراره- إلى مفعول عكسي، بإثارته انتباه الهيئات المدنية البريطانية إلى التضييق الذي تتعرض له حركة المقاطعة، "وقد تؤدي إلى التفاف شعبي أكبر حول هذه الحركة التي لها مطالب قانونية لا يمكن تجريمها".

وفي حال استهداف البلديات والمؤسسات العمومية بمقترح القانون الجديد، فإن هناك فضاءات أخرى "تحتفي بحركة المقاطعة، فمثلا جل النقابات الكبرى في بريطانيا مساندة للحق الفلسطيني، إضافة إلى الجامعات والطلبة الذين يعتبرون الحاضنة القوية للقضية".

ويستبعد الناشط الفلسطيني أن يقدم جونسون على خطوات مشابهة لتلك التي أقرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب التباين في الأنظمة السياسية بين لندن وواشنطن، "ولذلك لن يصل بنا الحال إلى ما هو عليه الوضع بالنسبة للإدارة الأميركية وتعاملها مع القضية الفلسطينية".

المصدر : الجزيرة