انتقد فساد الساسة أمام بريمر.. متظاهر عراقي من الهجاء إلى رصاص القناص والقنابل

علي ورفاقه المعتصمون في التحرير ما زالوا مصرين على تحقيق مطالبهم (الجزيرة)
علي ورفاقه المعتصمون في التحرير ما زالوا مصرين على تحقيق مطالبهم (الجزيرة)

مصطفى المسعودي- بغداد

كان يبلغ من العمر ست سنوات عندما استدعي لإلقاء شعر في مراسم التوقيع على وثيقة ‏قانون إدارة الدولة المؤقت عام 2004، عند تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بحضور الحاكم المدني للعراق آنذاك بول بريمر.‏

ارتقى الطفل العراقي علي المرتضى جمال الشمري المنصة، ورغم صغر سنه، بدأ بإلقاء شعر شعبي عن الوطن، منتقدًا ‏اللصوص والعابثين بمقدرات بلده، وفيما تطرق إلى الفقر المستشري والمقابر التي ما عادت ‏تكفيها الأرض وامتدت إلى قلوب العراقيين، شهد أمام رجالات مجلس الحكم الذين ‏سيتنقلون بالمناصب سنوات بعد أخرى بأن الرئيس هو أول اللصوص، حسب تعبيره.‏

يتلقى الرصاص
منذ 2004 حتى يومنا هذا، شهد الشمري (المولود عام 1998) التوترات الطائفية والانقسام السياسي في البلاد، وكان شاهدًا مع جيله على سنوات الفقر والحرمان وغياب الخدمات وتفشي البطالة، حتى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على ‏أجزاء واسعة من العراق، ليهبوا من الحارات الفقيرة تدفعهم أحلامهم المجهضة التي ضاقت ذرعًا بحاضرها وخافت كثيرًا على مستقبلها، بتظاهرات غاضبة عارمة، مطالبة بإقالة الحكومة التي قابلتهم برد عنيف غير متوقع.

شارك الشمري، الطالب في الصف الثالث الثانوي والذي يعمل في ‏محل للأدوات الاحتياطية (قطع الغيار)، في موجة الاحتجاجات التي انطلقت ‏في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واستمر في الاحتجاج رغم عمليات القمع والقنص التي رافقتها وخلفت عشرات ‏الضحايا منذ أسبوعها الأول.‏

ويقول إن "الخروج للشوارع والمشاركة في المظاهرات كان واجبا وطنيا لا بد منه، خصوصا أن الأفق مغلق أمام طبقتنا من الشباب ولا أمل بالحصول على عمل مناسب، أو وظيفة ‏بعد الدراسة والتخرج"، مشيرًا إلى أن "الطبقة السياسية لم تترك خيارًا للشباب إلا المطالبة ‏بحقوقهم وسط الشوارع، متحدين الرصاص وعمليات الخطف التي كانت متوقعة".‏

تعرض مساء اليوم الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى إصابة برصاص قناص في المنطقة القريبة من "مول النخيل" وسط بغداد التي شهدت سقوط عشرات القتلى والجرحى بالرصاص الحي ‏وقنابل الغاز، ونجا بأعجوبة من موت محقق، بعد إسعافه سريعا بإحدى العربات ‏المسماة محليا "التوك توك" والتي باتت أيقونة الاحتجاجات العراقية.‏

كانت القوات الأمنية قد استخدمت في الأسبوع الأول للاحتجاجات قنابل الغاز والرصاص الحي بغزارة لتفريق المتظاهرين من الجسور الحيوية وسط بغداد، بالتزامن مع اتساع نطاق موجة التظاهرات إلى محافظات الوسط والجنوب.

يقول الشمري، إن "إصابتي كانت مساء يوم الجمعة، ونقلت بـ"التوك توك" إلى مستشفى الكندي لتلقي ‏العلاج"، مشيرًا إلى أن "الفحص أثبت أن الرصاصة اخترقت فخذي ولم تستقر بها، ولأن ‏البقاء في المستشفى خطر بعض الشيء، انتقلت إلى البيت استعدادًا لأداء امتحان الدور ‏الثاني في اليوم التالي".‏

ونجح في الامتحان واجتاز المرحلة الإعدادية (تشمل الإعدادية والثانوية معا في بعض البلاد)، لكن ‏التكاليف الباهظة لتخصصه العلمي في الجامعة تقف حائلا دون إكماله.‏

"توك توك" وقنابل
"بعد الإصابة، بقيت أسبوعا دون حراك، وحين تماثلت للشفاء اشتريت دراجة "توك توك"، لأنها أنقذت حياتي حين تعرضت لإطلاق النار، اتجهت للتحرير وكتبت عليها لافتة "النقل مجانا للمتظاهرين"، يقول الشمري.

وأضاف أن "الـ(توك توك) مكنني من إنقاذ عشرات المصابين على جسر الجمهورية ومحيط ساحة التحرير عند تعرضهم للجروح أو الاختناق بقنابل الغاز المدمع، وللأسف لم يستطع الـ(توك توك) إنقاذ تسعة شهداء كانت إصاباتهم بالغة حين وصولي إليهم، بعضهم توفي في الحال، وآخرون بعد الوصول للمستشفى بساعات".

وكانت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية هبة مرايف، قد شددت في بيان لها على أنه يتعين "السلطات العراقية أن تأمر فورا بوضع حد لاستخدام القوة المميتة ضد المحتجين دون هوادة". كما دعت المنظمة الحكومة العراقية إلى إيقاف استخدام أنواع غير مسبوقة من قنابل الغاز ضد المتظاهرين، والتي تخترق جماجمهم.

لم يسلم المرتضى بالمرحلة الثانية من الاحتجاج مع التوك توك، من تلقي القنابل والرصاص القاتل، وتعرض يوم 25 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى قنبلة دخانية كادت أن تودي بحياته، وألحقت بدراجته التقليدية أضرارًا بالغة، ليعيد ترميمها بعد ذلك.

خيمة مع العائلة
لم يستطع جمال الشمري والد علي المرتضى إيقاف اندفاع ابنه الذي يبحث عن وطن جديد يحفظ حقوقه، وبعد تعرض ولده إلى الإصابة وتضرر التوك توك فوق جسر الجمهورية، فضل البقاء بقربه، وافتتح خيمة لخدمة المتظاهرين بما يمكن مجانا، في شارع السعدون المؤدي إلى ساحة التحرير، مركز الاحتجاجات الرئيس في بغداد.

يقول الوالد إن "إصرار ابني على الاستمرار في الاحتجاجات رغم خوفي من تعرضه للخطر، دفعني للمشاركة في الاعتصامات وتشييد الخيمة للبقاء فيها، وقد أخذت عهدا على نفسي بالاستمرار مع علي ورفاقه حتى تحقيق المطالب كاملة".

ويتردد على الخيمة إخوة علي الصغار، وفيما يساعدون والدهم في إعداد الشاي وبعض الوجبات للمعتصمين، يترقب علي -الذي ركن "التوك توك" إلى جانب الخيمة- أي أصوات للرصاص أو قنابل الغاز قد تأتي من جهة التحرير أو ساحة الخلاني وجسر السنك، لينطلق صوبها ويبدأ بإخلاء مختنقين أو مصابين نحو المفارز (الوحدات والخيم) الطبية لتلقي العلاج.

وفي وقت تدخل الاحتجاجات العراقية شهرها الثالث، يبدو أن علي ورفاقه من سائقي التوك توك والمعتصمين في التحرير ومحيطه، مصرون على تحقيق مطالبهم، بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي ومحاسبة الجهات المسلحة المسؤولة عن قتل المتظاهرين.

المصدر : الجزيرة