تصعيد متواصل.. هل تحسم المفاوضات صراع الغاز شرق المتوسط؟

اتفاق مصر واليونان وقبرص على تقاسم حقول الغاز في البحر والمتوسط دفع تركيا للتنسيق مع الحكومة الليبية (رويترز)
اتفاق مصر واليونان وقبرص على تقاسم حقول الغاز في البحر والمتوسط دفع تركيا للتنسيق مع الحكومة الليبية (رويترز)

 عبد الله حامد-القاهرة

يكتنف الغموض مستقبل الصراع بين مصر وتركيا حول ليبيا وغاز المتوسط، في ظل التصعيد السياسي والتهديد بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا من خلال الطرفين.

وارتفع مستوى التوتر عندما نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري المصري قبل أيام صورا وفيديوهات لاستعدادات بحرية مصرية في البحر المتوسط، وإطلاق صواريخ جديدة بعيدة المدى من الغواصات تصل إلى 130 كيلو مترا تسمى هاربون.

بالمقابل نشرت وكالة الأناضول التركية تسجيلات مصورة لمشاة البحرية التركية، أثناء مناورات بحرية.

وتأتي هذه التدريبات في ظل تصاعد التوتر بين القاهرة وأنقرة، بسبب اتفاقية أبرمتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تنص على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتسمح لأنقرة بالمطالبة بحقوق في مناطق واسعة من شرق البحر المتوسط تطالب بها دول أخرى خصوصا اليونان.

ورغم تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري التي أكد أن الاتفاقية لا تضر بمصالح مصر، فإن القاهرة -التي تدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر خصم حكومة الوفاق- أعلنت رفضها للاتفاق.

ووفقا للمحللين فقد دفع الاتفاق بين مصر واليونان وقبرص على تقاسم حقول الغاز في شرق البحر المتوسط تركيا للتنسيق مع الحكومة الليبية.

واستبعد محللون أن تتدحرج الأمور إلى حرب عسكرية بين الجانبين، مرجحين أن يتوصل الطرفان في النهاية إلى حل سياسي للأزمة.


 
مسألة غير مصرية
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن "تركيا وليبيا قد تقومان بأنشطة تنقيب مشتركة عن الغاز والنفط في شرق المتوسط، قبالة شواطئ قبرص في منطقة تضم حقول غاز كبيرة، بموجب الاتفاق".

وأضاف "لا يمكن لقبرص الجنوبية ومصر واليونان وإسرائيل إنشاء خط نقل غاز طبيعي من المناطق التي حددها الاتفاق مع ليبيا دون موافقة تركيا، لن نتساهل بهذا الصدد، وكل ما نقوم به متوافق بالتأكيد مع القانوني البحري الدولي".

وعلق الخبير المتخصص في شؤون الغاز المتوسطي نائل شافعي بالقول إن الأنبوب المذكور تخطط إسرائيل لبنائه "ملكا خالصا لها" لينقل غازها من الحقول التي "تنازلت" عنها مصر، وسيمر عبر المياه التي "تنازلت" عنها مصر.

وتابع "لذلك الغاز المنقول ليس مصريا، والأنبوب يمر في مياه لم تعد مصرية، أي أنه لن يدفع أي عوائد لمصر".

وأكد شافعي أن عدم إتمام هذا الأنبوب هو في مصلحة مصر، داعيا في منشور له بصفحته الشخصية على فيسبوك للتخلي عن "هراء فكرة أن مصر ستكون المركز الإقليمي لتصدير الغاز".

واستبعد أن تستمر تركيا في التصعيد لأنها تحاول الحصول على نصيب من كعكة شرق المتوسط، لافتا إلى أن الاتفاقية بين تركيا وليبيا ستمكن مصر من استرداد 40,000 كيلومتر مربع تنازلت عن نصفها لقبرص رسميا وتنازلت بشكل فعلي عن النصف الآخر لليونان دون توقيع على اتفاق لترسيم الحدود.

ضوء أخضر
بدوره رأى مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية ممدوح المنير أن التصعيد يتزامن مع ضوء أخضر أميركي لتركيا، خصوصا بعد الرفض الرسمي الأميركي لهجوم حفتر على طرابلس و مطالبته المتكررة بوقف الهجوم.

هذا الموقف الأميركي ليس حبا في حكومة الوفاق، برأي المنير، ولكن لأن حفتر بدأ في الاعتماد على دعم مباشر من روسيا، مؤكدا أن النظام المصري لا يملك أي أوراق ضغط حقيقية في ليبيا، والجيش المصري المنشغل بالتجارة ليس مستعدا لخوض معارك على الإطلاق.

وأعرب المنير في حديثه للجزيرة نت عن اعتقاده بأن الموضوع لن يعدو كونه "مناوشات إعلامية"، وإذا تطورت فستكون في إطار "المناوشات العسكرية المحدودة"، فالوضع السياسي للسيسي أضعف من أن يدخل في أي معركة، في ظل عدم رضا واشنطن عن الوجود الروسي في ليبيا، وهو ما يمنع السيسي من مواجهة تركيا.

وفي تقديره فإن النظام تخلى عمليا عن حقوق مصر في غاز البحر المتوسط في ترسيم حدودها المائية مع اليونان وإسرائيل نكاية في تركيا، وبالتالي "فمن فرط في مياه النيل لن يخوض معركة بكل تأكيد من أجل غاز المتوسط" بتعبيره.

وفسر المتحدث التصعيد الإعلامي بأنه مجرد إلهاء للداخل بمعارك وهمية.

أما الباحث السياسي أحمد مولانا فرأى أن التقارب الروسي مع حفتر والقاهرة دفع أميركا للتنديد بالتدخل الروسي في ليبيا، والتلويح بفرض عقوبات على القاهرة في حال مضيها في صفقة طائرات سوخوي 35.

وفي تلك الأجواء العاصفة حدث توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين حكومة الوفاق وتركيا، والتي لم تواجه باعتراض أميركي، ومن ثم فإن فرص اندلاع حرب إقليمية في المتوسط "غير مرجحة" حاليا، ولن تكون محل ترحيب دولي، في تقدير مولانا.

واستبعد مولانا في حديثه للجزيرة نت تحول التصعيد الحالي إلى حرب مباشرة، لكنه سيساهم في تصعيد "الحرب بالوكالة" من قبل قوات حفتر من أجل إسقاط الحكومة ثم الاتفاقية.

أما في حال فشل حفتر في ذلك، يرجح مولانا أن يسوى الخلاف على ثروات المتوسط من خلال الحوار والمفاوضات برعاية دولية.

رسائل سياسية
في المقابل، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة طارق فهمي أن تصريحات الرئيس التركي هي "رسائل سياسية" إلى مصر وقبرص واليونان، بأنه يمتلك قوة ردع وأوراق ضغط قد يستخدمها مستقبلا.

وذكر في تصريحات صحفية أن الاتفاق الموقع يعطي أردوغان الحق في 412 ميلا بحريا بين ليبيا وتركيا، متجاوزا قبرص التي لا يعترف بها الجانب التركي.

وأوضح فهمي أن تصريحات أردوغان والمذكرة الموقعة مع حكومة السراج "مخالفة واضحة" للاتفاقيات الموقعة سابقا الخاصة بإقليم المتوسط، مؤكدا أن إعلانه بأن الدول التي تسعى للتنقيب عليها استئذان أنقرة أولا "مخالفة" للواقع، فهناك تنقيب يتم بالفعل بالمنطقة المذكورة من دول عدة.

واستبعد أن تفكر تركيا في الدخول في حرب مقابل غاز المتوسط، لأنها عضو في الناتو ذي الغالبية الأوروبية، وهذا يعني أنه حال إعلان الحرب على اليونان وقبرص فإنه يهدد بانقسام الناتو على نفسه.

المصدر : الجزيرة