فساد واختراق أجنبي.. اتهامات تعصف بهيئة الانتخابات في تونس

بفون وصف اتهامات له بالفساد والسماح بالاختراق الأجنبي بغير المسؤولة (الأوروبية)
بفون وصف اتهامات له بالفساد والسماح بالاختراق الأجنبي بغير المسؤولة (الأوروبية)

آمال الهلالي-تونس

 

"قنبلة موقوتة" ألقى بها عضوان من هيئة الانتخابات التونسية في وجه رئيس الهيئة، عبر اتهامه بالفساد الإداري والمالي، وفتح الباب للاختراق الأجنبي خلال الانتخابات الماضية، لتتفجر على إثرها أزمة داخلية تنذر بإضعاف هيئة دستورية كان لها دور مهم في مسار الانتقال الديمقراطي.

وانطلقت الأزمة بتصريح صحفي محلي أدلى به العضوان بهيئة الانتخابات عادل البرينصي ونبيل العزيزي، وجها خلالها اتهامات بالفساد وسوء التسيير الإداري والمالي والتعيين بالمحاباة لرئيس الهيئة نبيل بفّون.

كما وصلت الاتهامات حد التخوين والتخابر مع الأجانب، حيث عبر العضوان عن خشيتهما من اختراقات أجنبية لقاعدة البيانات الشخصية للناخبين التونسيين وللساحة السياسية، عبر شركة أميركية تعاقدت معها الهيئة، بهدف المساعدة التقنية والتدريب خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ولم يخف البرينصي والعزيزي خشيتهما مما وصفاه بالدور المشبوه الذي لعبته "المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية" الأميركية والمدعومة -حسب قولهما- من رئيس الهيئة، رغم رفض هيئة الانتخابات عامي 2011 و2014 التعامل معها.

وتعرف هذه المنظمة -التي تتخذ من واشنطن مقرا- بكونها منظمة غير حكومية مستقلة تعمل منذ سنة 1987 بأكثر من 145 دولة على تقديم الدعم اللوجستي والتقني للهيئات الانتخابية وموظفيها بهدف ترسيخ الديمقراطية الانتخابية وتطويرها.

فصول المعركة بين رئيس الهيئة والعضوين لم تقف حد التراشق بالاتهامات عبر الإعلام المحلي بل تجاوزتها لأورقة القضاء حيث اختار نبيل بفّون رفع شكاية ضد البرينصي والعزيزي على خلفية الاتهامات التي طالت شخصه.

وكان البرلمان قد صوت في 31 يناير/كانون الثاني 2019 على انتخاب بفون رئيسا جديدا لهيئة الانتخابات، خلفا لمحمد التليلي المنصري الذي قدم استقالته في يوليو/تموز 2018، إثر خلافات في التسيير بينه وبين أعضاء الهيئة.

البرينصي دعا إلى إصلاح شامل لهيئة الانتخابات (الجزيرة نت)

تأويل التصريحات
واستغرب البرينصي -في تصريح للجزيرة نت- ما أسماه تضخيم وتأويل تصريحاته ممن مساهم "الصائدين في الماء العكر" بهدف تعكير الأجواء صلب هيئة الانتخابات.

وأكد أن ما جاء على لسانه يتعلق بتساؤلات مشروعة حول تغييبه وباقي أعضاء مجلس الهيئة من لقاء تقييمي حضره رئيس الهيئة ومولته منظمة أجنبية أميركية، قدمت طوال فترة الانتخابات مساعدات لوجستية وتقنية، مشددا على أنه لم يوجه أي اتهام بالاختراق أو التخابر.

ولفت إلى أن دعوته كانت لضرورة الإصلاح على مستوى التسيير الإداري والمالي صلب الهيئة بشكل عام، ولم تستهدف شخص رئيس الهيئة، وهو ما ذهبت إليه منظمات وطنية، حسب قوله.

واعتبر البرينصي أنه من بين المؤاخذات على عمل الهيئة سوء التصرف الإداري والمالي للمدير التنفيذي، ومنع الأعضاء من الاطلاع على معطيات إدارية ومالية، وتعمد تغييبهم في تقارير تتعلق بأنشطة الهيئة.

وحول ذهاب رئيس الهيئة للقضاء، أكد البرينصي تحمل مسؤوليته الكاملة في التصريحات الواردة على لسانه ومؤاخذاته المتعلقة بعمل الهيئة، مجددا استغرابه من تغييب رئيس الهيئة لأعضائها عن اللقاء التقييمي خلافا لما دأبت عليه سابقا في مشاركة جميع الأعضاء، وبحضور ممثلي الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام.

وسبق أن أرجع رئيس هيئة الانتخابات تغييب باقي الأعضاء من اللقاء التقييمي لتعلقه حسب وصفه بمسائل إدارية بحتة، وأشار إلى أن المدير التنفيذي هو من يشرف على عملية التقييم، مؤكدا أن هذه العملية مفتوحة لأي من أعضاء مجلس الهيئة يرغب في حضورها.

 بوعسكر حذر من ضرب مسار كامل من الانتخابات بعد هذه الاتهامات (الجزيرة نت)

تصريحات خطيرة
ووصف بفون تصريحات عضوي الهيئة بأنها "غير مسؤولة وفي غاية الخطورة " نافيا جملة وتفصيلا جل الاتهامات الواردة على لسان البرينصي والعزيزي، وذلك عبر تصريحات إعلامية محلية.

وشدد رئيس الهيئة على أن هذه الاتهامات لا تمس فقط من شخصه، بل تتجاوزها لسمعة الهيئة والتشكيك في مسار انتخابي وديمقراطي شامل واستقلالية القرار والسيادة الوطنية.

وبهذا الخصوص، أيد فاروق بوعسكر نائب رئيس الهيئة ما جاء على لسان بفون، ووصف في حديثه للجزيرة نت تصريحات البرينصي والعزيزي بأنها "عارية عن الصحة وغير مسؤولة" على ضوء اطلاعه على جميع الملفات، وباعتباره رجل قانون وقاضيا جزائيا.

واعتبر في المقابل أن الإخلالات في التسيير الإداري يمكن أن تقع في أي مؤسسة عمومية، لكنها فيما يتعلق برئيس هيئة الانتخابات لا يمكن أن ترتقي لجرائم فساد مالي وإداري واختراق لمنظمات أجنبية.

واستغرب بوعسكر ذهاب عضوي الهيئة بهذه الملفات المتعلقة بشبهات الفساد للإعلام بدل طرحها داخل المجلس أو التوجه بها للجهات القضائية.

كما حذر من تداعيات تفاعل هذه الأزمة على المسار الانتخابي برمته من خلال تشويه رئيس الهيئة والقدح في نزاهته ووطنيته، لكنه لم يستبعد فرضية تصفية حسابات شخصية بين بفون وبعض الأعضاء.

علاقة قديمة
وحول طبيعة علاقة هيئة الانتخابات الحالية بـ "المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية" محل الجدل، أكد بوعسكر أنه سبق لهذه المنظمة الأميركية التعامل مع هيئة الانتخابات منذ 2011، فضلا عن تعاملها مع مؤسسات سيادية تونسية على غرار محكمة المحاسبات، والقضاء الإداري، حسب قوله.

وأوضح أن تعامل هيئة الانتخابات عام 2019 مع المؤسسة الأميركية جاء في إطار اتفاقية ثنائية أبرمت بينها وبين مجلس الهيئة، وتنص على تقديم الدعم اللوجستي في جانب التكوين لأعوان الهيئة، وفيما يخص الانتخابات من الجانب الإعلامي.

ونفى في المقابل إطلاع المؤسسة الأميركية على قاعدة البيانات الشخصية للناخبين والحديث عن اختراق أجنبي، مشددا على وجود وحدات للرقابة الداخلية بالهيئة فضلا عن الجهات الرقابية الخارجية.

وفي خضم هذه الأزمة التي باتت تهدد بنسف نجاحات الهيئة في تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة وشفافة، بحسب شهادات منظمات رقابية محلية ودولية، يستعد رئيسها لتسلم جائزة "درع السلام والإنسانية" الممنوحة من إحدى الجامعات الأميركية.

المصدر : الجزيرة