النووي والناقلات والجواسيس.. عناوين توتر بريطاني إيراني بـ"رعاية" أميركية

لقاء بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك (الأناضول)
لقاء بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك (الأناضول)

عثمان بوشيخي-لندن

تتكئ العلاقة بين بريطانيا وإيران على تاريخ ملتهب تعددت فيه مظاهر التأزم ومحطات التوتر، ولم تكن فترات التعافي والتحسن أكثر من فاصل زمني سرعان ما تعود بعده العلاقة بين الطرفين إلى سيرتها الأولى اضطرابا وتوترا.

وكانت بريطانيا واحدة من ست دول وقعت مع طهران اتفاقا أنهى 12 عاما من الأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ورغم الانسحاب الأميركي من هذا الاتفاق وفرض عقوبات اقتصادية على إيران ظلت بريطانيا مع الدول الأخرى متمسكة به ومحاولة إبقائه على قيد الحياة ولو على ألسنة المسؤولين على الأقل.

لكن بعد أربع سنوات تقريبا من توقيع هذا الاتفاق النووي أعلنت طهران في مايو/أيار الماضي بدء خفض تدريجي لالتزاماتها التي قطعتها في فيينا لإرغام الأوروبيين والصينيين والروس على احترام وعودهم بمساعدتها في امتصاص صدمة العقوبات الأميركية.

وأعلنت طهران أنه في حال عدم تلبية مطالبها فإنها ستمتنع عن الالتزام ببنود جديدة في الاتفاق كل ستين يوما.

نسخة طبق الأصل
بدأت إيران رابع مرحلة من خطة "خفض الالتزامات" بعملية استئناف تخصيب اليورانيوم في مفاعل فوردو تحت الأرض (وسط البلاد)، وهي العملية التي دفعت وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب للقول إنها "تشكل خطرا على أمن بريطانيا القومي".

وأضاف راب في بيان نشر على موقع الحكومة الإلكتروني "نريد أن نجد طريقا للمضي قدما عبر حوار دولي بناء، لكن إيران بحاجة إلى الوفاء بالتزاماتها والعودة العاجلة إلى الامتثال الكامل لاتفاقية فيينا".

ويرى الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون البريطانية محمد أبو العينين أنه لا يمكن رؤية تصريح راب إلا في إطار تقييم عام للسياسة الخارجية البريطانية التي تتصف بالشعبوية واليمينية في عهد جونسون الذي أصبحت حكومته أقرب إلى حكومة ترامب في مواقفها من ملفات الخليج.

كما يؤكد أبو العينين أن هذا الموقف البريطاني المتشدد من إيران يهدف بالأساس إلى التقرب من واشنطن بهدف الدفع لإبرام اتفاق للتجارة الحرة تراه إدارة جونسون ممكنا جدا إذا قدمت مزيدا من الدعم للرئيس الأميركي.

ويتفق أستاذ العلوم السياسية سابقا في جامعة ويستمنستر بلندن الدكتور عبد الوهاب الأفندي مع الرأي السابق، ويرى أن بريطانيا في عهد جونسون تتماهى في مواقفها إلى حد كبير مع مواقف ترامب، في سعي دؤوب لتعميق التحالف مع واشنطن حماية لمصالحها السياسية والاقتصادية من آثار الخروج من الاتحاد الأوروبي.

تاريخ من الأزمات
ليست مشكلة البرنامج النووي هي الملف الأوحد الذي يخيم بظلاله الثقيلة على علاقات طهران مع لندن، إذ يتجاوز الأمر تعقيدات هذا البرنامج ليشمل أزمة ناقلات وجواسيس، فقبل بضعة أشهر أقدمت سلطات جبل طارق الخاضعة للسيادة البريطانية على احتجاز ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، قابلها احتجاز الحرس الثوري الإيراني لاحقا ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبرو" في مضيق هرمز، وبعد ذلك جرى الإفراج عن الناقلتين.

وفي حرب التجسس القديمة الجديدة كانت طهران قد أصدرت في مايو/أيار الماضي حكما بالسجن عشر سنوات على إيرانية تعمل في المجلس الثقافي البريطاني بتهمة التجسس لصالح لندن، وأعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية هذا الأسبوع منع التعامل مع هذا المجلس، متهمة إياه بـ"محاولة تكوين شبكة ثقافية لاختراق إيران".

هذا فضلا عن قضية نازانين زاغاري راتكليف البريطانية ذات الأصول الإيرانية الموظفة لدى مؤسسة تومسون رويتزر والمحتجزة في طهران منذ أكثر من ثلاث سنوات بتهمة نشر "دعاية ضد الجمهورية الإسلامية".

وقد استحوذت قضية نازانين على اهتمام وسائل الإعلام البريطانية والإيرانية بعدما قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون آنذاك "إنها تعلّم الناس الصحافة في إيران"، ورغم تراجعه عن تصريحه فيما بعد فقد استشهد به كدليل ضدها.

وجددت لندن قبل أسابيع فقط دعواتها لطهران للإفراج عن نازانين بعد عودة ابنتها غابرييلا (5 سنوات) من إيران إلى بريطانيا.

اجتياز الخطوط الحمراء
ويرى مراقبون كثر أن طهران عمدت إلى اجتياز الخطوط الحمراء في الاتفاق النووي لممارسة ضغوط على الدول الأوروبية لحثها على فك الحصار الاقتصادي الخانق عليها. 

وفي حديثه مع وسائل الإعلام البريطانية، أكد السفير الإيراني في لندن حمید بعیدي نجاد أن "طهران عمدت لتخفيض التزاماتها بالاتفاق لإنقاذه من الانهيار بالكامل"، مضيفا أن هذه الإجراءات تعد تحذيرا للأطراف الأخرى من أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وعليهم أن يوافقوا بالكامل على تنفيذ ما عليهم من التزامات.

ورغم المواقف الأوروبية المدينة للخطوات الإيرانية الجديدة -بما فيها المواقف البريطانية- فإن الصحفي محمد أبو العينين يرى أن الموقف البريطاني تحديدا لن يتعدى التصريحات بالأساس، وذلك لأن صناعة القرار السياسي في بريطانيا ليست ملكا لرئيس الوزراء فقط بل هي نتاج توافقات عامة، كما أن حالة العجز التي يعانيها جونسون في تمرير اتفاقات مهمة كالبريكست تجعل منه رئيس وزراء بدون سلطة تقريبا، وفي حالة يصعب معها اعتماد خطوات عملية في اتجاه دعم أو تبني التشدد الأميركي تجاه إيران.

ويضيف أبو العينين أن كل هذا لا يمنع وجود صلاحيات معتبرة لرئاسة الوزراء رغم أنها ليست كبيرة، ولكن مصالح شركات السلاح واليمين المتشدد تظل قائمة كي تستفيد من تأجيج المخاوف الإقليمية في منطقة الخليج، إذ تتعاظم مصالحها كلما ظل التهديد الايراني على قيد الحياة.

المصدر : الجزيرة