مصر.. غضب وشكوك مع تزايد الاتهامات للشعراوي بالتطرف والتشدد

الشعراوي كان من أبرز رموز الدعوة في المجتمع المصري (مواقع التواصل)
الشعراوي كان من أبرز رموز الدعوة في المجتمع المصري (مواقع التواصل)
أحمد دعدوش-الجزيرة نت
 
ضجت مواقع التواصل ووسائل الإعلام المصرية منذ أيام بهجوم على الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي، في مقابل موجة من التعاطف والتأييد للشيخ، في حين حذر مراقبون من استهداف ممنهج للشعراوي ومنهجه.
 
وبدأت القصة بحادثة عفوية عندما علقت الإعلامية المصرية أسماء شريف منير عبر صفحتها على فيسبوك بالقول "طول عمري أسمعه (الشعراوي) مع جدي، لم أكن أفهم كل شيء آنذاك، لكن لما كبرت شاهدت فيديوهات، لم أصدق نفسي من شدة التطرف، كلام عقلي لم يستوعبه فعلا، وتعجبت حقيقة".
 
وسرعان ما أشعلت هذه الكلمات جدلا على طرفي نقيض، فأعاد فريق من المعلقين إحياء اتهامات قديمة للشيخ الذي رحل عن عالمنا عام 1998، في حين بادر فريق آخر بالدفاع عنه، حتى تصدر وسم "الشعراوي" مواقع التواصل في مصر.

وقدمت الإعلامية أسماء اعتذارا على صفحتها الجمعة الماضي، مؤكدة أنها لم تكن تقيّم الشعراوي بل أساءت التعبير فقط، كما شددت على أنها تكن للراحل "كل احترام وتقدير".

مع ذلك، ظل الجدل قائما من الفريقين، مما دفع بعض النواب في البرلمان المصري للمطالبة باستصدار قانون يجرم الإساءة للشخصيات العامة.

هجمات متتالية
وأعاد الممثل المصري خالد أبو النجا اليوم الاثنين استفزاز محبي الشيخ عندما كتب في تغريدة على تويتر "الشعراوي مثال صارخ للجهل بالعلم، بل تباهى بعدم قراءته لغير القرآن! الوهابية في أبشع تجلياتها".

وتعيد هذه الاتهامات إلى الذاكرة هجمات تعرض لها الشعراوي خلال حياته وبعد مماته، إذ سبق لمفكرين ومثقفين معروفين في السبعينيات والثمانينيات أن هاجموه، مثل توفيق الحكيم ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود.

ورغم أن علاقة السلطة آنذاك ببعض الدعاة وعلماء الدين كانت مشوبة بالتوتر والصراع، مثل محمد الغزالي وعبد الحميد كشك وأحمد المحلاوي، فإن الرئيس الراحل أنور السادات كان حريصا على استمالة الشعراوي وتقديمه للمجتمع كنموذج للشيخ المعتدل والمتصالح مع الأقليات غير المسلمة والرافض للعنف، حتى ألحّ عليه بقبول منصب وزارة الأوقاف عام 1976 فوافق بعد تلكؤ.

ومع منح الشعراوي منبرا في التلفزيون الرسمي لتقديم برنامجه الأسبوعي لتفسير القرآن في وقت الذروة بعد صلاة الجمعة، أصبح من أبرز رموز الدعوة في المجتمع المصري، لا سيما أن أسلوبه كان يجمع بين البساطة والعمق، وأنه كان يتحدث بلهجة الشارع ويرتدي الملابس التقليدية البسيطة.

ولم تمنع هذه الشعبية كتّابا آخرين من معاودة الهجوم والطعن في الشعراوي خلال التسعينيات، مثل الصحفي إبراهيم عيسى في كتابه "أفكار مهددة بالقتل".

وبعد وفاة الشيخ، تشجع آخرون على استئناف الهجوم، مثل الصحفي شريف الشوباشي الذي ألقى باللائمة على الشعراوي في كتابه "لماذا تخلفنا؟ ولماذا تقدم الآخرون؟" المنشور عام 2013 عند تحليله لأسباب تخلف الأمة.

إسقاط المنهج
وللوقوف على أبعاد الهجمة الأخيرة على الشعراوي، يقول المؤرخ المصري محمد إلهامي للجزيرة نت إن الشيخ حظي في مرحلة سابقة بمكانة لا مثيل لها في مصر، فكان نموذجا للعالِم الذي يستطيع تبسيط الدين مع الاحتفاظ بمقامه وهيئته العلمية، ثم تراجع هذا النموذج في الألفية الجديدة أمام نموذج "الدعاة الجدد"، الذي يبسط الدين بما يتوافق مع طموح الشباب الرأسمالي المحمل بمفاهيم التعايش والسلام والإنجاز المادي.

إلهامي: هناك حملة ممنهجة لإسقاط منهج الشعراوي (مواقع التواصل)

ويضيف أن المجتمع الذي كان يخاطبه الشعراوي وينطق بلسانه مختلف تماما عن مجتمع "الدعاة الجدد"، فالأول كان متقبلا لفتاوى الشعراوي التي يثير خصومه الضجة حولها اليوم، وهي فتاوى لم تشذ عما أفتى به جمهور الفقهاء تاريخيا، كدفع الأقليات غير المسلمة للجزية، وإقامة الحدود على الجناة، ووجوب الحجاب على المرأة، وانتقاد الوسط الفني، والموقف الحاسم تجاه إسرائيل واليهود. لكن هذه المفاهيم بدأت تتخلخل على يد "الدعاة الجدد"، ليصل الأمر الآن إلى نقض الثوابت الدينية المجمع عليها.

ويرى إلهامي أن الذين يهاجمون الشعراوي اليوم -وهو فرد واحد- يعرفون أنه كان يمثل حالة من التدين العام والانتماء للإسلام، فمحاولة إسقاطه لا تستهدف شخصه، بل هي حملة ممنهجة لإسقاط منهجه، مع أنه كان نموذجا للاعتدال.

ويضرب الباحث المصري مثالا بقصة داعية شاب أثار حالة من انتشار الالتزام في قريته المصرية، فاستدعاه جهاز أمن الدولة للتحقيق رغم أنه لم يكن يتدخل في شأن السياسة، ثم قال له الضابط "نحن لن نسمح أبدا بظهور شعراوي آخر، الشعراوي كان غلطة ولن تتكرر".

كما يشير إلهامي إلى ظاهرة "شيوخ السلطة" في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيقول إن السلطة توزع بينهم فرص الظهور والمعارك، ومن ورائهم الإعلام المقرب من السلطة الذي يفتح ملفات بعضهم بين الحين والآخر حتى لا يتحول أحدهم إلى رمز.

أبو زيد: الحملة على الشعراوي تأتي في إطار سياسات الانقلاب العسكري (مواقع التواصل)

أما ‏أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية السابق في جامعة القاهرة وصفي أبو زيد فيقول للجزيرة نت إن "الحملة على الشعراوي" التي تصفه بالتشدد والإرهاب تأتي في إطار سياسات الانقلاب العسكري، فهو لم يكن انقلابا سياسيا فقط، بل في العقيدة والشريعة والأخلاق وكل شيء، حسب تعبيره.

ويرى أبو زيد أن هناك "حملة عالمية تحاول الضرب في ثوابت الإسلام، وتسعى لجعل محكماته متشابهات وأصوله فروعا وكلياته جزئيات، ليصبح إسلاما مستسلما، وقرآنا بلا سنة، ومصحفا بلا سيف".

المصدر : الجزيرة