دعوات الانفصال تتعالى في أسكتلندا.. فهل تصبح بريطانيا دولة وريثة؟

Scotland's First Minister Nicola Sturgeon holds a flag during a pro-Scottish Independence rally in Glasgow, Scotland, November 2, 2019. REUTERS/Russell Cheyne
نيكولا ستورجن ترى أن استقلال اكتلندا عن المملكة المتحدة بات في متناول اليد (رويترز)

مجدي مصطفى

 
بعد مرور خمسة أعوام على استفتاء الاستقلال عن المملكة المتحدة الذي أجرته أسكتلندا ورفضته الأغلبية النسبية تتعالى الأصوات هناك هذه الأيام مطالبة بالانفصال "الذي بات في متناول اليد" حسب تعبير رئيسة الوزراء الأسكتلندية نيكولا ستورجن أمام آلاف من المتظاهرين تجمعوا في غلاسكو، للمطالبة بتنظيم استفتاء جديد بشأن الاستقلال.

ففي 18 سبتمبر/أيلول 2014 أجري استفتاء الاستقلال وفق الاتفاقية التي وقعتها كل من الحكومة الأسكتلندية والحكومة المركزية بلندن في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2012، وكان نص السؤال في الاستفتاء "هل ينبغي أن تكون أسكتلندا دولة مستقلة؟".

وشهد الاستفتاء حينئذ إقبالا كبيرا من الناخبين في أسكتلندا، والذين اكتظوا في أكثر من ألفي مركز اقتراع للإدلاء بأصواتهم، وللمرة الأولى في تاريخ بريطانيا سمح لمن هم في سن الـ16 بالمشاركة في التصويت.

ولدى إعلان نتيجة الاستفتاء حيث جاءت نسبة الرافضين للاستقلال 55.45% مقابل 44.58%، رحب رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت ديفد كاميرون بتلك النتيجة، معتبرا أنها ستحسم مسألة أسكتلندا على الأقل لمدة جيل واحد.

وتعهد كاميرون بمنح أسكتلندا سلطات واسعة تتعلق بالضرائب والإنفاق والرخاء الاجتماعي.

على الجانب الآخر، شكلت النتيجة صدمة لرئيس وزراء الأسكتلندي في ذلك الوقت ساموند -الذي كان يتزعم اتجاه الاستقلال- فاعترف بهزيمته وشكر أنصاره على التصويت لصالح الاستقلال على الرغم من هزيمتهم.  

أما ستورجن -التي كانت وقتها نائبة زعيم الحزب الوطني الأسكتلندي الذي يتزعم الدعوة إلى الاستقلال- فبدت محبطة إزاء الهزيمة ولم تجد ما تعبر به إزاء تلك النتيجة إلا القول إنها "تشعر بخيبة أمل".

‪الآلاف من الداعين للاستقلال عن المملكة المتحدة يحتشدون في غلاسكو مطالبين بإجراء استفتاء لهذا الغرض‬ (رويترز)‪الآلاف من الداعين للاستقلال عن المملكة المتحدة يحتشدون في غلاسكو مطالبين بإجراء استفتاء لهذا الغرض‬ (رويترز)

الأمل يتجدد
لكن "أمل" ستورجن الذي خاب في الاستفتاء الذي مضت عليه خمسة أعوام عاد ليتجدد هذه الأيام على وقع العد التنازلي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واحشد الآلاف من مؤيدي استقلال أسكتلندا أمس في غلاسكو وشاركت فيه ستورجن للمرة الأولى منذ حملة استفتاء 2014.

وتريد ستورجن تنظيم استفتاء على استقلال أسكتلندا في 2020، معتبرة أن اتفاق بريكست بدل الوضع في بريطانيا، وتأمل في البقاء بالاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا. 

وأمام آلاف المتظاهرين المطالبين بتنظيم استفتاء جديد بشأن الاستقلال، قالت إن الانتخابات التشريعية التي ستنظم في 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل "هي الأهم بالنسبة إلى أسكتلندا، ومستقبل بلادنا على المحك، مؤكدة أن إمكانية قيام "أسكتلندا مستقلة باتت في متناول اليد"، داعية الناخبين إلى التعبئة والتصويت لحزبها في الانتخابات المقبلة.

وكانت ستورجن أعلنت في مؤتمر حزبها الشهر الماضي أن الاستفتاء "يجب أن ينظم العام المقبل، ونحن نستعد له"، وتنوي طلب موافقة الحكومة البريطانية على ذلك قبل نهاية العام الحالي.

وفي أبريل/نيسان الماضي أعلنت أمام نواب البرلمان في إدنبرة أن "تصويت 62% من الأسكتلنديين لصالح البقاء داخل الاتحاد الأوروبي أصبح هباء"، في إشارة إلى استفتاء أجري عام 2016 بشأن مغادرة الاتحاد الأوروبي، وصوت فيه 52% من البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد، في حين صوت 62% من الأسكتلنديين للبقاء.

واعتبرت ستورجن أن جهود حكومتها من أجل التوصل إلى تسوية بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي -والتي يمكن أن تخفف الضرر على الاقتصاد- "قوبلت بآذان صماء"، وأنه لا يزال من المستحيل التنبؤ بما سيحدث بشأن الخروج من الاتحاد.

وأضافت أن الحكومة ستعمل من أجل ضمان أن يكون للشعب الحق في الاختيار بشأن الاستقلال عن المملكة المتحدة خلال ولاية البرلمان الحالي التي تنتهي في مايو/أيار 2021.

ووعدت رئيسة وزراء أسكتلندا بتقديم مشروع قانون لوضع القواعد لأي استفتاء على الاستقلال، معربة عن أملها في أن يتم تبني هذا المشروع قبل نهاية العام.

وتعترض رئاسة الحكومة البريطانية على تنظيم استفتاء جديد، معتبرة أنه تم استفتاء الأسكتلنديين قبل خمس سنوات، وأن الأمر يتعلق بـ"حدث ينظم مرة واحدة لكل جيل".

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية البريطانية تسعى ستورجن لحشد أنصارها، وغازلت زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربن، وقالت إن حزبها سيدعمه إذا وعد بدعم مشروعها لتنظيم استفتاء جديد، لكن الأخير خيب آمالها مصرحا بأن إجراء استفتاء جديد في أسكتلندا "ليس ضروريا وغير مرغوب فيه".

لذلك تظل الخطوة المقبلة معلقة بخريطة التحالفات وطبيعة الحكومة البريطانية التي ستتمخض عن الانتخابات المقبلة.

  

حقائق ومخاوف
أسكتلندا -التي تتمتع بحكم ذاتي- هي المكون الرابع للمملكة المتحدة التي تضم أيضا إنجلترا وويلز وإيرلندا، وتبلغ مساحتها ثلث مساحة المملكة المتحدة، ويعيش فيها أكثر من خمسة ملايين نسمة.

وتساهم بنحو 10% في اقتصاد البلاد بحكم ثروتها النفطية التي يزخر بها بحر الشمال والتي بنى عليها الحزب القومي الأسكتلندي حملته الأولى للاستقلال عام 2014، وفضلا عن ذلك تضم أكبر قاعدة عسكرية نووية في الجزيرة البريطانية.

وفي ظل المعضلة الدستورية غير المسبوقة التي تعيشها المملكة المتحدة على وقع البريكست وتداعياته الإقليمية والداخلية ثمة سؤال يطرح نفسه، وهو: ماذا لو خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واستقلت أسكتلندا عن المملكة المتحدة بالفعل بعد 312 عاما من الوحدة معها؟

النتيجة الأولى المترتبة على ذلك هي إثارة قضية الوحدة الإيرلندية بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية التي قال رئيس وزرائها ليو فاردكارفي أواخر يوليو/تموز الماضي إن قضية توحيد إيرلندا وإيرلندا الشمالية التي تخضع للحكم البريطاني ستثار حتما إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

وحذر أيضا من أن ما يعرف بالخروج الصعب لبريطانيا من التكتل قد يقوض وضع أسكتلندا في المملكة المتحدة، وقال" إذا أخرجت بريطانيا إيرلندا الشمالية من الاتحاد الأوروبي على عكس رغبات أغلبية السكان هناك فإنها تنتزع بذلك تبعيتهم الأوروبية وتقوض اتفاق الجمعة العظيمة الذي أبرم في 1998، والذي وضع حدا للعنف الذي قتل فيه 3600 شخص خلال 30 عاما، وعندما تفعل ذلك ستثار هذه المسائل سواء شئنا أم أبينا".

الوريثة
وقبيل استفتاء أسكتلندا الذي أجري عام 2014 حذر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق جون ميجور من أن المملكة المتحدة قد تكون مضطرة لترك مقعدها في مجلس الأمن بالأمم المتحدة إذا ما جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة لاستقلال أسكتلندا، وقال ميجور "سوف نفقد مقعدنا على الطاولة الأعلى في الأمم المتحدة".
 
ونقل تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) رأيا يقول إن مجلس الأمن منح حق الفيتو لدول نشأت عن انقسام وتفكك دول أخرى مثل روسيا التي ورثت الاتحاد السوفياتي.

وحسب أصحاب هذا الرأي، فإن بريطانيا ستكون دولة وريثة، أي دولة نشأت بعد تفكك دولة أو كيان أكبر كانت تنتمي إليه، وستظل تستخدم حق نقض قرارات مجلس الأمن "الفيتو" الذي تشترك فيه مع الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين، حتى وإن بدت لوحة الاسم على الطاولة المكتوب عليها "المملكة المتحدة" خادعة أو مجازية.

وحسب التقرير -الذي أعد قبل خمس سنوات- فإن أسكتلندا لن تواجه أي عقبات في الانضمام للأمم المتحدة حال استقلالها عن المملكة المتحدة، ولن تحصل أسكتلندا المستقلة على صوت في مجلس الأمن إلا إذا فازت بانتخابات اختيار الأعضاء العشرة المؤقتين، والتي تجرى لمدة عامين ولا تمنح تلك الدول حق الفيتو.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Britain's Prime Minister Boris Johnson reacts at the House of Commons in London, Britain September 3, 2019. ©UK Parliament/Jessica Taylor/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY

أيد قاض بريطاني في أسكتلندا قرار رئيس الوزراء بوريس جونسون تعليق أعمال البرلمان، في خطوة تمنح بعض الراحة، ولكنه بالمقابل يتعرض لضغط متزايد من الأوروبيين الرافضين لإعادة التفاوض حول البريكست.

Published On 4/9/2019
المزيد من أنظمة حكم
الأكثر قراءة