الإضرابات في الجزائر.. موجة جديدة للحراك أم هجوم للثورة المضادة؟

الجزائريون يواصلون المظاهرات الحاشدة منذ فبراير/شباط الماضي (الأناضول)
الجزائريون يواصلون المظاهرات الحاشدة منذ فبراير/شباط الماضي (الأناضول)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

في توقيت حرج ومع العد التنازلي نحو رئاسيات 12 ديسمبر/كانون الأول يتصاعد منحنى الاحتجاجات المهنية والاجتماعية بشكل متسارع في الجزائر، مما شكل حالة غليان غير مسبوقة في قطاعات تمثل شريان الحياة العامة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ودخل المعلمون في إضراب دوري أسبوعيا منذ مطلع العام الدراسي، لأجل تسوية مطالب عالقة منذ سنوات، قبل أن يلتحق بهم القضاة في توقف متواصل عن العمل منذ سبعة أيام احتجاجا على حركة تحويلات مست ثلاثة آلاف قاضٍ، متهمين الحكومة بالتعدي على سلطة العدالة.

بدورهم، أضرب عمال مؤسسة ميناء أرزيو بوهران، وهو أكبر ميناء نفطي في الجزائر، منددين بإغلاق الإدارة باب التفاوض مع ممثليهم بشأن المنح الاستثنائية.

كما دشن سائقو سيارات الأجرة بالعاصمة إضرابا مفتوحا عن العمل، مع تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر مديرية النقل إلى غاية تحقيق المطالب المرفوعة إلى الجهات المعنية.

وتوسعت دائرة الاحتجاج بإعلان نقابة البنوك العمومية الدخول في إضراب وطني يوم الأحد 10 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري رفضا لما وصفته بتهميش وإقصاء الشريك الاجتماعي.

وكان هتاف "الإضراب العام" من أقوى شعارات المتظاهرين في الجمعة الـ37 للحراك الشعبي.

مع الحراك أم ضده؟
وتباينت القراءات لخلفيات التصعيد في السياق السياسي القائم، حيث تذهب تفسيرات كثيرة إلى ربطه بمحاولات المقاومة التي تقودها "الدولة الأمنية العميقة" وبقايا حكم عبد العزيز بوتفليقة لإجهاض مخطط الجيش في الانتقال إلى العهد الجديد.

وهو ما رد عليه رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح في آخر خطاب بالقول "إن الانتخابات الرئاسية ستجرى في موعدها المحدد، لأن الشباب سيقومون بإفشال مخططات العصابة وأذنابها الذين تعودوا على الابتزاز السياسي".
الجيش يصر على إجراء الانتخابات في موعدها فيما يراها البعض آلية لإفشال الثورة (رويترز)

وشدد رئيس الدولة عبد القادر بن صالح الخميس الماضي على أنه "لا يحق لأي كان تقويض حق الآخرين في ممارسة إرادتهم من خلال المشاركة في الاقتراع".

غير أن أوساطا أخرى ترفض تلك التحليلات الجاهزة، وتصر على أن ما يجري هو موجة جديدة لانتعاش الحراك الشعبي ضد سطو العسكر على الحكم عبر انتخابات صورية، من وجهة نظرها.

قوة خفية
وقال المحلل إدريس بولكعيبات -وهو مختص في الحركات العمالية- إن الإضراب يشكل دائما وسيلة لكسر العظم والمرور بالقوة، سواء كان منظما أم وحشيا، وذلك عندما يؤول الحوار إلى طريق مسدود.

وأوضح أن أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 في الجزائر بدأت بموجة إضرابات عارمة اجتاحت جل المؤسسات، ثم خرجت عن السيطرة، لتكون لها تداعيات سياسية كبيرة، على غرار ما حدث في فرنسا وتشيلي وبولونيا في سبعينيات القرن الماضي.

وقال بولكعيبات للجزيرة نت إن "عودة الإضرابات في هذه المرحلة المفصلية وبتأطير نقابي معلن تثير الشكوك حول النوايا الحقيقية، لأن الجزائريين يعلمون علم اليقين أن النقابات لم تكن مستقلة أبدا عن السلطة، بل وكل المجتمع المدني".

وأضاف "قد تكون تحركاتها بإيعاز من قوة خفية تم تحجيمها بعد الحراك، لكنها لا تزال تقاوم وترفض الدخول في خارطة الطريق التي رسمها الجيش لإخراج البلاد من الأزمة السياسية".

وبتعبير آخر، فإن هذه القوة التي تعمل في الظلام تحرك أذرعها التقليدية -ومنها النقابات- لاحتواء ثورة 22 فبراير/شباط لعلها تثمر بثورة مضادة كما حدث عام 1992، مثلما قال.

مقاومة مهنية
من جهته، أكد الكاتب المحلل عثمان لحياني أنه لا يمكن فصل الإضرابات الأخيرة -بما فيها قطاع العدالة- عن السياق السياسي الراهن.

غير أنه برر ذلك بحالة التحرر النسبي للنقابات، والتي تضع في حسبانها أن الوهن المؤسساتي فرصة ثمينة للضغط على السلطة وتحقيق مكاسب نقابية، فهو منجز قد يكون في الظاهر فئويا، لكن تبقى له علاقة بالتحرر من الفعل، والهيمنة السياسية على مختلف مناحي الحياة المؤسساتية، سواء قضائية أو اقتصادية.

المحتجون أسقطوا الرئيس بوتفليقة والعديد من رجاله ولكنهم يصرون على رحيل النظام بكامله (الأناضول)

وقال لحياني للجزيرة نت "لا أعتقد أننا أمام ثورة مضادة"، متسائلا "ثورة مضادة ضد من، ضد السلطة أم ضد الحراك؟".

وأوضح "أظن أن ما يحدث هو جزء من صراع الإرادات بين الحراك وأطرافه الاجتماعية وبين السلطة"، مضيفا أنها "مقاومة مهنية أيضا، لأن المطلب الرمزي للحراك كان استقلاليه العدالة، وإضراب القضاة حمل نفس المطلب، والأمر نفسه ينسحب على إضرابات الائتلاف المدني للنقابات".

خطر العزوف
وعن مدى تأثير تنامي الحركات الاحتجاجية على مصير الرئاسيات التي أعلنت السلطة المستقلة للانتخابات عن قبول خمسة مرشحين للتنافس فيها، أكد لحياني أنها تعزز عوامل العزوف الانتخابي، إضافة إلى ثلاثة أسباب مركزية أخرى، حصرها في "المسار المرتبك بترتيبات متعثرة ولّدت حالة من الرفض الشعبي والسياسي لدى قطاع واسع".

وأضاف أن قائمة المرشحين تشجع على المقاطعة باعتبارها تمثل في مجموعها النظام السابق، ناهيك عن غياب الأحزاب المعارضة التي تشكل آلات تعبئة شعبية.

كما شدد بولكعيبات على أن الخطر موجود وقائم، لأن "الثورة المضادة لا تراهن على الفئة المستنيرة، بل تراهن على الدهماء التي يسهل تجييشها والدفع بها كوقود".

وأوضح أنها تستغل الوضع الاقتصادي الهش، في حين يبقى صوت القوة المستنيرة منخفضا، بل غائبا عن المشهد وعن الأحداث، وتتعاطى مع الوضع الصعب بسلبية مقلقة، وهذا ما يرفع منسوب الخطر على الموعد الرئاسي المرتقب، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة