"صراع أقطاب" في حركة النهضة.. أي دلالات لاستقالة العذاري؟

العذاري يوصف لدى البعض بالابن المدلل للغنوشي (رويترز)
العذاري يوصف لدى البعض بالابن المدلل للغنوشي (رويترز)

آمال الهلالي-تونس

في خطوة مفاجئة، أعلن النائب عن حركة النهضة زياد العذاري استقالته من جميع المناصب القيادية بالحزب، مما طرح أكثر من سؤال حول خلفيات هذا القرار وتوقيته،

ويوصف العذاري بأنه "الابن المدلل" لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وسبق أن طرح اسمه لرئاسة الحكومة.

ويشغل خطة الأمين العام المكلف بفضاء الحكم في النهضة، بالتوازي مع عضويته لمكتبها التنفيذي، كما سبق أن تولى العديد من الحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، آخرها وزارة التعاون الدولي التي استقال منها إثر دخوله البرلمان.

ورغم أنه لم يعرف للعذاري أي قرب من التيار الإصلاحي الذي يمثله شق من قيادات النهضة الرافضة للخط الذي ينتهجه الغنوشي في إدارة الحكم والتسيير، على غرار عبد الحميد الجلاصي ومحمد بن سالم وعبد اللطيف المكي، لكن من الواضح أن الشاب الطموح وجد نفسه خارج حسابات الغنوشي، في وقت كان يمني فيه النفس بمنصب حكومي مرموق، حسب بعض التخمينات.

ونشر القيادي المستقيل تدوينة مطولة عبر صفحته على فيسبوك، مساء الأربعاء، تحدث فيها عن دوافع قراره، والتي تجاوزت الاستقالة من جميع المناصب القيادية في الحزب، إلى طلب إعفائه من أي مسؤولية أو تكليف في الحكومة القادمة.

وبرر العذاري استقالته بوجود خلافات في وجهات النظر بينه وبين مؤسسات الحركة، خصوصا فيما يتعلق بملف تشكيل الحكومة، مشككا بشكل مباشر في كفاءة رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي.

وقال في معرض تدوينته "كنت أرى أن حصول النهضة على رئاسة البرلمان يقتضي الذهاب في الحكومة إلى شخصية انفتاح مستقلة مشهود لها بأعلى درجات الكفاءة والنزاهة والجرأة تطمئن وتجمع أوسع طيف ممكن من التونسيين، وتكون قادرة على استعادة الثقة في الداخل وتعزيز إشعاع تونس في الخارج".

وتابع "ذهب مجلس الشورى فيما قدره أصلح.. لكن أجدني شخصيا في النهاية عاجزا على المواصلة في ظل مسار أرى أنه يضعنا اليوم ويضع البلاد على سكة محفوفة بالمخاطر لا نعرف تداعياتها وكلفتها على البلاد".

مرشحو الحكومة
وربط كثيرون بين قرار العذاري الاستقالة من جميع المناصب القيادية بالحزب، واستعداد النهضة خلال الأيام القادمة للكشف عن أسماء مرشحيها للحقائب الوزارية والتي استثني منها العذاري.

وكشفت مصادر موثوقة للجزيرة نت ترشيح الغنوشي لشخصيات من داخل النهضة لمناصب وزارية بالحكومة القادمة على غرار سيدة الونيسي لوزارة التشغيل، وأحمد قعلول للرياضة، والوزير الحالي أنور المعروفي لوزارة تكنولوجيا الاتصال، والهادي صولة للفلاحة، ونوفل الجمالي للشؤون المحلية، وخليل العميري للتجهيز.

العذاري خلال كلمة له بمؤتمر اقتصادي في تونس العام الماضي (الأناضول)

واعتبر القيادي المستقيل من عضوية مجلس شورى النهضة زبير الشهودي -في تصريح للجزيرة نت- أن تدوينة العذاري بمثابة ردة فعل مباشرة بعد إقصائه من التشكيلة الحكومية القادمة والتي قرر خلالها الغنوشي إبعاد جميع الوجوه السياسية النهضوية وتعويضها بوجوه "تقنية" ليس لها أي وزن أو تاريخ في صلب الحركة.

واستغرب الشهودي افتقار تدوينة العذاري لأي "مسؤولية سياسية" عبر تعمده القدح في كفاءة رئيس الحكومة المكلف، خصوصا وأنه لم يسبق له أن اتخذ مواقف مشابهة في علاقة بخيارات الغنوشي وقرارته السياسية.

وخلص إلى أن طريقة صعود العذاري في سلم المواقع المتقدمة سواء داخل الحركة أو في الحكومات المتعاقبة كان على أساس المحاباة والحظوة التي كان يتمتع بها لدى رئيس الحركة "وبالتالي من الطبيعي أن يخرج من المسؤولية ويعلن تمرده بمجرد إقصائه من أي منصب".

وكان رئيس الحكومة المكلف (الجملي) أعلن في تصريحات إعلامية محلية أن "ملامح الحكومة القادمة اقتربت من التشكل، وأن الأطراف السياسية الداعمة لها باتت شبه واضحة".

وأكد في السياق ذاته أن المرحلة الثانية من المشاورات -التي ستنطلق مطلع الأسبوع القادم- ستتركز حول الحقائب الوزارية والكفاءات التي ستكون مرشحة لتولي مناصب في هذه الحكومة.

صراع خطوط
ويرى الإعلامي والمحلل السياسي برهان بسيس أن استقالة العذاري المفاجئة كشفت عن صراع لم يعد بالخفي داخل حركة النهضة، وتغير في المواقف والمواقع بين خط محسوب على الغنوشي وآخر يشمل بقية قيادات الحركة.

وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر بسيس أن خطاب العذاري ومبرراته التي قدمها حول الاستقالة وانتقاده لخيارات رئيس الحركة فيما يتعلق بمسار الحكومة الحالية لا تعد كونها "خطابا منمقا تختفي فيه جميع الحسابات الذاتية".

ولم يستبعد بسيس احتدام معركة الاستقطاب حول النهضة خلال الأيام القادمة من قبل الأحزاب سواء فيما يتعلق بمسار تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب الوزارية، أو العلاقة بخلافة الغنوشي على رأس الحركة قبل أشهر من المؤتمر الانتخابي القادم.

وتوقع أن يمضي الغنوشي في خيار ترشيح وجوه "تقنية نهضوية" للحقائب الوزارية القادمة ممن يدينون له بالولاء، مقابل استبعاد وجوه الصف الأول ذات الثقل السياسي المرتبطة برمزيتها التاريخية والنضالية، في إطار إدارته لعبة التوازن داخل النهضة وفي البرلمان بهدف تكوين حزام برلماني وحكومي قوي من حوله.

ورجح القيادي بالحركة رفيق عبد السلام أن تكون الحكومة القادمة "حكومة كفاءات وطنية مدعومة سياسيا أكثر من كونها حكومة محاصصات حزبية" مؤكدا في تصريحات إعلامية محلية أن "النهضة ستقدم شخصيات وزارية يغلب عليها طابع فني وخبرات اقتصادية واجتماعية أكثر منها قيادات سياسية".

المصدر : الجزيرة