ساحة التحرير.. قلب الاحتجاج النابض في بغداد

حشود ضخمة تنضم للمحتجين في ساحة التحرير (رويترز)
حشود ضخمة تنضم للمحتجين في ساحة التحرير (رويترز)
تحدث تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية عن ساحة التحرير في بغداد التي تعد مركز الاحتجاجات، حيث حاول نقل صورة متكاملة عن حياة المحتجين فيها، وطموحاتهم التي يعبرون عنها، وطرائق تنظيمهم لمجريات الأمور في هذا المكان. 
 
وبدأ التقرير بالحديث عما يسمى بمبنى المطعم التركي أو "جبل أحد" -حسبما يحب المتظاهرون أن يطلقوا عليه- وهو المكان الذي يطل على ساحة التحرير وعلى الساحة الخضراء، ويسمح للمتظاهرين بمراقبة تحركات الأمن، الأمر الذي أعطاه مكانة إستراتيجية.  
حياة الطرب والمرح لم تغب عن المحتجين سواء في مبنى المطعم التركي أو في ساحة التحرير (رويترز)
نمط الحياة بالساحة
وقالت مبعوثة الصحيفة هيلين سالون إنه لا يوجد مكان أفضل من هذا المبنى المغطى بلافتات المطالب والرسوم السياسية وصور "الشهداء" لأخذ نبض الاحتجاج، حيث إنه من دون "جبل أحد" لن يكتب البقاء "للمدينة المثالية" التي شكلوها عند قدميه أمام نصب الحرية.

وتنتشر الخيام وسط الساحة وفي الأزقة المجاورة، وتقدم العشرات من المستشفيات الميدانية الإسعافات الأولية للجرحى والمرضى، ويتم توزيع الأدوية المجانية والوجبات الساخنة والملابس والبطانيات، وينظف المتطوعون كل ركن من أركان الاعتصام.

ومع حلول الليل، يتوافد المئات أفرادا وعائلات على الساحة المزدحمة، وتوقد الشموع تقديرا لذكرى الموتى الذين زادوا على 340 شخصا من جميع أنحاء البلاد.

ويلفت النظر رسومات الفنانين على الجداريات، ويستمع البعض إلى مطالب النقابات وناشطي المجتمع المدني، والبعض يشربون الشاي، بينما يرقص آخرون ويتحلق مثلهم حول شاشة عملاقة تحت خيمة كبيرة.

في هذه "المدينة المثالية" حيث يختلط الخريجون العاطلون عن العمل والطلاب والأطباء والمحامون والمدرسون والفنانون والناشطون مع الشباب من الأحياء الشعبية، تدشن الأجيال الشابة التي لم تعرف الدكتاتورية ولم تر سوى حكم الأحزاب الدينية ومليشياتها المسلحة منذ عام 2003، نمط حياة جديدا. 

ترتيل للقرآن وإيقاد للشموع تكريما لأرواح من قضى في مظاهرات العراق (رويترز)

نريد وطنا
وفي هذه المدينة تختفي الفروق الاجتماعية والدينية بين الجنسين وبين الأجيال لصالح كلمة واحدة "نريد وطنا"، كما هو مكتوب على قمصان المحتجين ولوحاتهم الجدارية، وهم يطالبون بعالم أفضل وحرية لم يتذوقوها إلا في شبكات التواصل الاجتماعي.

هؤلاء الشباب -كما تقول المراسلة- يريدون وضع حد للطائفية التي أدت إلى الحرب الأهلية بين عامي 2006-2008 وإلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، كما يريدون نهاية "نظام" مذنب في نظرهم، خرب المجتمع بالفساد والتبعية للخارج.

صورة عامة لبناية المطعم التركي الذي يطلق عليه المتظاهرون اسم جبل أحد (الجزيرة)

جبل أحد
على مر الأيام -كما تقول المراسلة- أصبح "جبل أحد" يبيت فيه بضع مئات فقط، محجا في النهار، حيث يصطف الفضوليون ومعتادو هذا المكان استعدادا للتفتيش الأمني قبل صعود السلالم الضيقة نحو القمة، يزاحمهم شباب مسرعون يحملون صناديق المؤن والماء إلى مختلف الطوابق التي يوجد في كل واحد منها حراس مع أجهزة اتصال لاسلكية.

وتقول شائعات تصدر من السلطات إن قادة الاحتجاج موجودون في هذا المبنى وأن الأسلحة مخزنة فيه، غير أن المحتجين ينفون ذلك "ليست لدينا أسلحة، ولكن لدينا جهاز أمني لمنع أي هجوم، ولاكتشاف المندسين من قبل الحكومة والمليشيات.

وفي المشهد يرقص بعض المحتجين على الشرفات المواجهة للحواجز، متحدين قوى مكافحة الشغب المتكتلة عند مدخل المنطقة الخضراء.

وتداعب الرياح المكان، وأحيانا تجلب سحبا من الغازات المسيلة للدموع من مناطق المواجهة على طول الجسور المحاذية، أو تحمل جلبة صفارات الإنذار التي يرسلها التكتك المستخدم كسيارات إسعاف لإخلاء الجرحى، وربما القتلى في معركة الجسور لقطع المحاور الحيوية في العاصمة بين المحتجين وقوات الأمن.

 الصحفيون والناشطون في ساحة التحرير أطلقوا صحيفة "التكتك" لإثارة نقاش الأفكار (رويترز)

نقاش مستمر
ومع أن الاحتجاجات لم تمتد إلى المحافظات السنية والكردية الشمالية والغربية، فإن التبرعات والرسائل تتدفق من هناك.

وتدور في الساحة نقاشات مستمرة، "نريد تغيير الحكومة .."، "أريد جمهورية. رئيس يعتني ببلدنا"، كما يقول مقتدى، البائع الصغير من مدينة الصدر. شاب آخر، يتذمر "نريد تغيير النظام "، "نعم ، نريد الفصل بين الدين والسياسة".

قائمة المطالب
تحت خيام الساحة، يحاول المحامون وناشطو المجتمع المدني الذين يتمتعون بتجربة سياسية، توجيه طاقة وأفكار هؤلاء الشباب المنتفض، حيث وضعت نقابة المحامين قائمة من المطالب، تدعو إلى إصلاح القانون الانتخابي والدستور الذي يعتبرونه يكرس هيمنة الأحزاب الحاكمة والتوزيع الطائفي للمناصب.

وينظم محامون في ساحة التحرير ورش عمل تهدف إلى توعية الشباب بالدقائق القانونية والسياسية، وقد أطلق الصحفيون والناشطون صحيفة "التكتك" لإثارة نقاش الأفكار.

هنا لا أحد يخاطر بفرض قيادته، وقد رفض الناشطون دعوات عدة من الحكومة لتقديم ممثلين لبدء حوار، وأرسلوا بدلا منها قائمة بأسماء القتلى، تقول الناشطة سارة "إنها مشكلة لا يوجد لدينا أي شخص يمثلنا، لكن من دواعي غضب المتظاهرين أن المجتمع المدني أو الأحزاب تفرض نفسها. نحن ننتظر لنرى ما ينبثق من هذه الثورة الشعبية".

وخلصت الكاتبة إلى أن التهديدات والاعتقالات وعمليات الاختطاف التي تتزايد بين الناشطين والمتظاهرين تشكل عقبة أخرى أمام تنظيم الحركة، مشيرة إلى أنه في ضوء الأساليب المستخدمة، لا أحد يعلم هل هو يتعامل مع عناصر الأمن الذين تسللوا إلى صفوفهم أم مع المليشيات المستعدة للقتل، خاصة أن محاولة مشتركة من نشطاء التحرير والنقابات لإجراء استطلاع للرأي لتوحيد مطالب الاعتصام أدت إلى تهديدات خطيرة.

وختمت مبعوثة لوموند بما قاله أحد المحتجين من أن "السلطات تريد منع ظهور مشروع وقيادة جديدة للمكان، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء ضد تصميم الشارع". 

المصدر : لوموند