مالبرونو بين المحتجين في بغداد: السلطة الطائفية بالعراق مرفوضة من قاعدتها

مالبرونو: المحتجون لا يفترون عن المطالبة بإسقاط النظام (غيتي)
مالبرونو: المحتجون لا يفترون عن المطالبة بإسقاط النظام (غيتي)

من العاصمة بغداد إلى ميناء البصرة في الجنوب، عبر الناصرية والعمارة والديوانية والمدن الشيعية المقدسة في كربلاء والنجف يتظاهر عشرات الآلاف من الشباب ضد طبقتهم السياسية الفاسدة وغير الفعالة والمتحالفة مع جارتها القوية إيران منذ قرابة شهرين، وهو ما أودى بقتل المئات وجرح نحو 16 ألفا.

بهذه الحصيلة بدأ الكاتب الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو تقريرا مطولا لصحيفة لوفيغارو الفرنسية قال فيه إن المحتجين الذين لا يفترون عن المطالبة "بإسقاط النظام"، يحتلون مواقع إستراتيجية في كل المدن الرئيسية بالمحافظات الجنوبية التسع ذات الأغلبية الشيعية رغم أن هذه الطائفة هي دعامة السلطة منذ الغزو الأميركي للعراق الذي أطاح بصدام حسين عام 2003.

وقال الكاتب إن هناك صحوة للشعور القومي مقابل تراجع الاستقطاب الديني، وإن صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد القديم بدأت كتابتها ربما بالدم بين شباب بلا مستقبل وبيروقراطية سياسية تتمسك بامتيازاتها، ولا أحد يعرف من سينتصر فيها.

وفي مقابل وزارة النفط بقرة العراق الحلوب التي لم تصب بطلقة واحدة أيام الغزو الأميركي الذي وضع يده عليها فور وصوله -حسب وصف الكاتب- يجلس مئات الشباب المطالبين بالتوظيف تحت أشجار النخيل من الصباح إلى العصر، وربما تحولوا أحيانا إلى وزارة الكهرباء التي وعدت بتوظيف العشرات، في وقت تمس فيه البطالة أكثر من 40% من الشباب دون سن الثلاثين.

وينقل الكاتب عن المدرس طارق الذي يدعم المحتجين وصفه للوضع في البلاد قائلا إن "المياه ليست صالحة للشرب رغم وجود نهرين ضخمين، والكهرباء تتوافر لساعتين فقط يوميا، ليس لدينا تأمين صحي أيضا، وفي المستشفيات العامة -وهي مجانية- لا يوجد ما يكفي من الأسرة والأدوية، ومستويات التعليم متدهورة للغاية". 

جمهورية الخوف
ويصف الكاتب "ساحة التحرير" بما فيها من حركة ونشاطات، حيث ينظف البعض محيطهم، والبعض يرسم ويكتب الشعارات، معلقا بأن الثورة قد تبدو جميلة، لكن صفارات سيارات الإسعاف تذكر بأنها قد تكون أيضا قاتلة.

ويوضح الكاتب أن عدد القتلى رسميا بلغ 360 شخصا، وهناك 16 ألف جريح، كما أن هناك من اختفوا من أمثال حواء التي خطفت في حي الكرادة، والشاب الذي قطع حركة المرور أمام منزله وقبض عليه. 

وينقل الكاتب عن الشاعر أحمد عبد الحسين  قوله إن الإستراتيجية الجديدة للحكومة بعد إلقاء القبض على المحتجين تقوم على جعلهم يوقعون تعهدا بعدم الذهاب والظهور في ساحة التحرير، وتهديدهم بالمحاكمة حسب قانون الإرهاب إذا هم عادوا إلى ذلك.

ويوما بعد يوم -كما يقول الكاتب- تضرب "جمهورية الخوف" أطنابها، مع قناعة المحتجين بأن عملاء النظام قد تسللوا إلى ساحة التحرير، خاصة أن الأطباء في المستشفيات المحيطة بها والممنوع دخول الصحفيين لها يتعرضون لضغوط كبيرة.

ويقول طبيب شاب إنه تلقى "زيارة شخص غريب" وأمره بالابتعاد عن الاحتجاجات، مضيفا أنه "في بعض المستشفيات يتم وضع الجرحى تحت إشراف أجهزة المخابرات التي تحدد الهويات".

ويضيف الكاتب أنه في طليعة الحملة تنشط مليشيات من التنظيمات شبه العسكرية المقربة من إيران، وينقل عن أحد الدبلوماسيين قوله إن "القناصة الذين كانوا يطلقون النار في الأسبوع الأول من الانتفاضة أعضاء في مليشيات خراساني وحزب الله والشهداء".

قلعة المحتجين
وينقل عن أحمد -وهو شاب موجود حاليا في الطابق الـ14 من مبنى يتسلقه آلاف الشباب كل يوم على أضواء هواتفهم المحمولة- "إذا فقدنا البرج فإن الثورة ستنتهي، فمن هناك نراقب جميع الأطراف"، مضيفا "لدينا الليزر، إنه سلاحنا الوحيد"، وذلك ردا على أولئك الذين يتهمونهم بصنع القنابل الحارقة.

وقصة هذا المبنى -الذي يقع فيه المطعم التركي- أنه مطل على المنطقة الخضراء وساحة التحرير، وباحتلال المتظاهرين له فوتوا على قوات الأمن مكانها الإستراتيجي حتى أن خطة لاقتحام "قلعة المحتجين" هذه كادت تنفذ لولا معارضة وزير الدفاع وتوافد الآلاف من المقربين من الزعيم الشيعي المؤثر مقتدى الصدر إليه، كما قال موفد الصحيفة.

ومنذ ذلك الحين ووزير الدفاع -الذي تعرض لانتقادات شديدة من قبل خصومه واتهموه بحمل جواز سفر سويدي- يتهم "طرفا ثالثا" (إيران) داخل قوات الأمن باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين واستيراد الغاز المدمع خارج دائرة الدولة.

ويجمع المتظاهرون على أن الهدف من الاحتجاج هو تغيير الحكومة ورئيسها، وتعديل القانون الانتخابي لإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة ومحاكمة الفاسدين، لكنهم يختلفون على الأسلوب لتحقيق ذلك، حيث يؤيد البعض التفاوض مع الحكومة، لكن الشباب يفكرون في إسقاط الحكومة فقط، كما يقول الكاتب.

وفي مقابلة مع الصحيفة، يقول عالم الأنثروبولوجيا بالمعهد الفرنسي للبحث العلمي هشام داود إن الشباب العراقيين من الشيعة يلومون من سبقوهم على التخلي عن البلاد وهويتها، وتأييدهم الفساد وترك قيادة الدولة للمليشيات.

ويختصر هشام داود الوضع في العراق بأنه فشل سلطة سياسية طائفية مرفوضة من قاعدتها الاجتماعية، وأنه تتويج لدوامة بدأت منذ عام 2003، بعد أن سمحت الأحزاب الشيعية لجنرالات أجانب من إيران ومليشياتهم بإخضاع بلدهم لطهران.

وخلص الكاتب إلى أن هذا الوضع يقترب من نهايته في لحظة أزمة نظام عميقة، لأن معاملة العراق كمستعمرة للجنرالات الإيرانيين ومرؤوسيهم الذين يطلقون النار على المحتجين أصبحت غير محتملة بالنسبة للعراقيين.

المصدر : لوفيغارو
كلمات مفتاحية: