موقع أميركي: هل تؤدي احتجاجات العراق إلى تغييرات جذرية؟

الموقع الأميركي رأى أن احتجاجات العراق نتاج سنوات من سياسات المحاصصة واختلاس الأموال (الأناضول)
الموقع الأميركي رأى أن احتجاجات العراق نتاج سنوات من سياسات المحاصصة واختلاس الأموال (الأناضول)

تشير الاحتجاجات الجارية في العراق إلى أن فئة الشباب قد ضاقت ذرعا بالأوضاع السياسية الحالية وسيطرة الأحزاب السياسية الدينية وتفشي الفساد والعجز الحكومي، وأنهم يريدون تغييرا حقيقيا في طرق التصرف في الثروات الطبيعية والقوانين الانتخابية والأحزاب.

ويقول الباحثان عبد الوهاب الكساب وعماد حرب في مقال نشره موقع "لوبلوغ" الأميركي إن العراق عانى من الفوضى وعدم الاستقرار والفساد منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

وقد جاء في تقرير للبرلمان العراقي صدر مؤخرا، أن مجموع ما تم اختلاسه من الخزينة العامة منذ عام 2004 بلغ 250 مليار دولار، وهي أرقام وضعت العراق في ذيل الترتيب العالمي في تقرير مؤشر الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية.

ويرى الكاتبان أن كل هذه المؤشرات، كانت تعني أن الاحتجاجات التي اندلعت ضد حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي كانت أمرا مؤكدا ووشيكا. وعلى امتداد الشهر الماضي، خرج مئات الآلاف من العراقيين وتحدوا القوات الأمنية، ورفعوا أصواتهم للمطالبة بنظام حوكمة جديد قادر على معالجة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع العراقي.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه الاحتجاجات ليست فقط ردة فعل على الأوضاع الحالية، بل هي نتاج سنوات من سوء الحوكمة وسياسات المحاصصة الطائفية واختلاس الأموال والمحسوبية والانهيار العام في نظام الحوكمة.

ويشير الكاتبان إلى أن العراق شهد احتجاجات مماثلة في السنوات الماضية، حيث شهدت ساحة التحرير في بغداد دعوات لإصلاح الدستور حتى يصبح ممثلا للواقع العراقي، ولاستقالة الحكومة، وتشكيل حكومة إنقاذ تلاحق المسؤولين الفاسدين، وتقوم بالتحضير لانتخابات برلمانية، من أجل إنتاج مؤسسة تشريعية لا تكون مرتهنة لمصالح محددة.

كما مارس المحتجون ضغوطا لحل اللجنة المستقلة للانتخابات وإنشاء لجنة جديدة تقوم بمراجعة القانون الانتخابي، وطالبوا أيضا بقانون جديد للأحزاب السياسية يمنع قيام الأحزاب على أساس طائفي.

العراق شهد احتجاجات تدعو لإصلاح الدستور ومنع سياسات المحاصصة الطائفية (غيتي )

الوعي الوطني
ويشير الكاتبان إلى أن المناخ السياسي خلال السنوات الماضية كان مسمما بالحسابات الطائفية، ولذلك يمكن اعتبار أن ما يحدث اليوم في بغداد وفي المحافظات الشيعية في الجنوب، هو بمثابة ثورة ضد هذه الأحزاب والمليشيات، وضد الحضور الإيراني في البلاد، إذ إن المحتجين يدعون للعودة إلى السياسات الوطنية التي تتجاوز الطائفية والانقسام.

ويذكر الكاتبان أن هذه الاحتجاجات سبقتها وصاحبتها تعبيرات سياسية واجتماعية، عكست تغييرا حاصلا في موقف العراقيين من الوضع الراهن، منها على سبيل المثال تغيير خطاب القيادات الدينية الشيعية، على غرار آية الله السيستاني الذي وجه انتقادات لاذعة للطبقة السياسية، وعبر عن دعمه للإصلاحات في النظام السياسي.

إضافة إلى ذلك، فقد شهد العراق تقلصا في المشاركة في الانتخابات البرلمانية، حيث تراجعت نسبة المقترعين من 80% في 2006 إلى 45% في 2018، كما أن عددا كبيرا من النواب السابقين خسروا مقاعدهم.

ويشهد العراق أيضا تراجعا في التعبير عن الهوية الطائفية، وصعودا واضحا للمشاعر الوطنية، وهو ما عبر عنه المحتجون في الشوارع، ليس فقط في هذه الفترة بل خلال السنوات الأخيرة.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه التغييرات التي يشهدها المجتمع العراقي أدت لظهور تحركات شبابية دون أي قيادة واضحة، قررت التخلي عن ولائها لرجال الدين والطبقة السياسية بشكل عام، وهذا النوع من الحراك الشبابي ساهم في تواصل الاحتجاجات وتقويتها، على الرغم من تزايد القمع الحكومي.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه العوامل أدت لتطور طموحات المحتجين من المطالب الاقتصادية والاجتماعية إلى السياسية، حيث إنهم لم يعودوا يقبلون بأقل من استقالة رئيس الوزراء وإنشاء نظام سياسي غير خاضع لأي نفوذ إقليمي.

الحشود الموجودة في ساحة التحرير ببغداد تمثل مزيجا عابرا للطوائف والعرقيات ( الأناضول)

التوقعات المحتملة
ويرى الكاتبان أن النقطة التي وصلت إليها الاحتجاجات العراقية اليوم كان من الصعب توقعها قبل فترة قصيرة، إذ إن الشباب العراقي هب بشكل جماعي إلى الشوارع من أجل الاحتجاج على الأوضاع السياسية والاقتصادية التي لم تعد تطاق.

والشيء الواضح اليوم والذي يمكن أن يشجع المحتجين، هو أن الجموع الموجودة في ساحة التحرير في بغداد تمثل مزيجا عابرا للطوائف والعرقيات، من الشبان المطالبين بالارتفاع فوق النظام السياسي القائم على الفساد والمحاصصة.

ويرى الكاتبان أن هؤلاء المحتجين الشباب باتوا يمتلكون اليوم هوية عراقية قومية وأجندة وطنية حقيقية. وبالنظر إلى حالة اليقظة التي تميز هؤلاء المحتجين اليوم، وفشل الرد الرسمي ومحاولات إخافتهم، فإن الأحداث التي يشهدها العراق اليوم تمثل فرصة ذهبية في هذه المنطقة الحيوية، وسيكون على الأرجح لها تأثير واضح على مستقبل العراق في السنوات المقبلة.

ويرجح الكاتبان أن تؤدي هذه الاحتجاجات -على الصعيد الداخلي- إلى صعود الهوية الوطنية العراقية لتتعالى على كل الهويات المحلية والطائفية، وسيرافق ذلك تراجع في دور المؤسسات الدينية، خاصة المرجعيات الشيعية. إضافة إلى ذلك، فإن المنطقة ذات الغالبية الكردية -التي ظلت إلى حد الآن مترددة- سوف تلتحق بباقي أنحاء العراق في رفض هيمنة نخب محددة على ثروات البلاد، وانتعاشها من تفشي الفساد والقمع.

ويتوقع الكاتبان أن الاحتجاجات التي يشهدها العراق اليوم قد تخرج من رحمها قيادات شابة جديدة تقدم مقاربة حكيمة ومنطقية لإدارة البلاد، وهذه القيادة سوف تصر على صياغة دستور جديد تتم الموافقة عليه في استفتاء شعبي، كما أنها سوف تسعى لرفض الأحزاب ذات الطابع الديني والطائفي، وتقدم الضمانات للمواطنين للتمتع بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات.

المصدر : الصحافة الأميركية