التهريب والعقوبات وأزمة النووي.. هكذا بررت الحكومة الإيرانية رفع أسعار الوقود

جانب من الاحتجاجات على زيادة سعر البنزين (رويترز)
جانب من الاحتجاجات على زيادة سعر البنزين (رويترز)

د. عماد آبشناس

فوجئ الإيرانيون يوم الجمعة الماضي بقرار حكومتهم مضاعفة سعر البنزين، فنزلوا إلى الشارع ليعبروا عن استيائهم من هذا القرار.

كان سعر البنزين في إيران متدنيا مقارنة بسعره في دول الجوار، مما أغرى المهربين بتهريب كميات كبيرة منه إلى دول الجوار.

وكان المواطن الإيراني صاحب السيارة -أو السيارات- أكثر استفادة من الدعم الحكومي للبنزين، في حين أن المواطن الذي ليست لديه سيارة خاصة في المحافظات والمناطق النائية أقل استفادة من الدعم الحكومي.

وبحسب قانون أقره مجلس الشورى الإيراني منذ حوالي عشرة أعوام، كان على الحكومة أن تعرض البنزين في الأسواق بحسب سعر تسليمه في الخليج.

وخلال السنوات الست الماضية، تجنب الرئيس حسن روحاني تنفيذ هذا القانون، وحاول تثبيت سعر البنزين خلال فترة رئاسته الأولى ليكسب رضا الشارع في انتخابات الدورة الثانية، كما ثبت أسعار العملة الصعبة والذهب والوقود.

أما الحكومة الإيرانية فكانت تأمل في أن يساعدها الاتفاق النووي على رفع نسبة مبيعاتها من النفط وتعاملها الاقتصادي لتغطية حاجاتها من العملة الصعبة، ولكن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات على الاقتصاد الإيراني أدى إلى ارتفاع سعر العملة الصعبة كما تعدت نسبة التضخم 30%.

وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك المركزي الإيراني، فإن حكومة روحاني كانت تنفق ما يعادل ستة مليارات دولار شهريا لتبقي على سعر البنزين في مستوى ألف تومان لليتر الواحد (8.5 سنتات) بحسب سعر صرف العملة.

وعندما بدأت الحكومة توزيع بطاقات ائتمان البنزين منذ حوالي عام تقريبا، توقع الإيرانيون قرب تقنين الحكومة للبنزين، وكانت الشائعات تنتشر عشوائيا عن الكيفية التي سيكون عليها قرارها بهذا الشأن، حتى إن بعضها توقع أن يصبح سعر لتر البنزين ستة آلاف تومان.

روحاني أجّل الزيادة لمدة ست سنوات لاعتبارات انتخابية (الأناضول)

صبر روحاني
وتؤكد التحركات الحكومية أن حكومة روحاني كانت تحاول جهدها تأجيل رفع سعر البنزين لأطول فترة ممكنة حتى وصلت إلى نقطة لا يمكن معها الاستمرار في دعم سعر الوقود، وكان عليها اتخاذ قرار بهذا الشأن.

وكي لا تتحمل الحكومة وحدها أعباء هذا القرار، عرضت الموضوع على لجنة مؤلفة من زعماء السلطات الثلاث ومدعومة من المرشد، كي لا تكون وحدها في الميدان.

ورفعت الحكومة سعر البنزين إلى ثلاثة آلاف تومان لليتر الواحد (25 سنتا)، وأصدرت بطاقات ائتمانية تسمح لكل سيارة بالحصول شهريا على 60 ليترا من البنزين بسعر مدعوم، وهو 1500 تومان إيراني.

وبما أن البلاد تقترب من انتخابات نيابية بعد حوالي الثلاثة أشهر، فإن حكومة روحاني كانت متأكدة من أن قرارها رفع سعر الوقود لن يمر من خلال البرلمان، لأن النواب لن يصوتوا عليه فيخسروا مقاعدهم في الانتخابات المقبلة.

وبحسب رئيس السلطة القضائية الإيرانية آية الله إبراهيم رئيسي، فإن العديد من الساسة الإيرانيين -خاصة الأصوليين- كانوا يعارضون رفع سعر الوقود بشكل مفاجئ وكبير، ويطالبون برفعه بشكل تدريجي.

لكن الحكومة الإيرانية التي انتظرت ستة أعوام ولم تنفذ القانون الذي يسمح لها برفع سعر الوقود بنسبة تصل إلى 20% سنويا، قررت أن تطبق القانون بشكل كامل وفوري، وهو ما أدى إلى صدمة في الشارع الإيراني الذي شهد احتجاجات شعبية على القرار.

وقوبل القرار أيضا برفض واعتراض من عدد كبير من الساسة ونواب مجلس الشورى، وطالب بعضهم بالتصويت على مشروع قانون لإلغاء هذا القرار، وبدأ آخرون جمع توقيعات لاستجواب رئيس المجلس وحتى رئيس الجمهورية.

لكن إعلان مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي السبت الماضي دعمه القرار أدى إلى تراجع النواب وعدد كبير من السياسيين عن هذه الخطوات التصعيدية تجاه الحكومة.

خامنئي أيد قرار الزيادة (الأناضول)

مخاوف وتطمينات
وعلى الرغم من أن الحكومة تحاول تطمين المواطنين بأن رفع سعر البنزين لن يؤثر على أسعار البضائع والسلع الأساسية، فإن القناعة لديهم أن هذه الخطوة ستزيد من مشاكلهم الاقتصادية.

وأفسحت الحكومة الإيرانية المجال أمام المحتجين وحتى المعارضة للخروج إلى الشوارع، حيث قامت كاميرات المراقبة -بحسب ما جاء على لسان الرئيس روحاني- بتصويرهم جميعا، وتم اعتقال عدد كبير من المتعاونين مع المعارضة ومثيري الشغب الذين تعتبر أنهم يستغلون الظروف لأهداف خارجة عن أهداف المحتجين.

أما الولايات المتحدة فقد سارعت بإعلان دعمها للاحتجاجات، إلا أن طهران ترى أنها تسعى للاصطياد في الماء العكر.

وتعتبر واشنطن الاحتجاجات إنجازا للرئيس دونالد ترامب، في وقت توجد فيه تنظيمات مثل "مجاهدي خلق" وأخرى موالية لنظام الشاه السابق تحاول استغلال هذه التحركات وتعتبرها احتجاجات سياسية.

والملاحظ أن معظم المحتجين هم من محدودي الدخل الذين يعتبرون من الداعمين للنظام في إيران، وكلمة المرشد بالنسبة لهم هي الكلمة الفصل، وقد نزلوا إلى الشوارع لمعارضة قرار الحكومة وليس لمعارضة النظام.

وبعكس المرات السابقة، لوحظ أن الحرس الثوري والباسيج تجنبوا الدخول في صدامات مباشرة مع المحتجين، ولم يتدخلوا إلا في ظروف اعتبروها تهديدا للأمن العام، بينما تولت الشرطة ووحدات مكافحة الشغب التعامل مع المحتجين.

وأغلقت الحكومة عددا كبيرا من المدارس والجامعات لمنع الشباب من الاتصال ببعضهم بعضا وتنسيق أي احتجاجات، كما قطعت الإنترنت.

ويتوقع البعض أن تسمح الحكومة للجماهير بالتنفيس عن غضبهم وأن يهدأ الوضع بعد أن تقوم بتحويل عائدات فرق أسعار البنزين إلى حساباتهم، كما يرون أن من الممكن أن تزيد كمية نسبة البنزين المدعوم إذا ما لم تُرضِ التحويلات الجمهور.

ويرجح هؤلاء أن يكون مصير هذه الاحتجاجات نفس مصير الاحتجاجات السابقة التي شهدتها البلاد عامي 2009 و2019، مستبعدين أن تتحول إلى مثيلاتها في العراق أو لبنان، ومن ثم لا يجب على الولايات المتحدة الاعتقاد أن هذه الاحتجاجات يمكنها إسقاط النظام في إيران.

المصدر : الجزيرة