مقال بفورين أفيرز: أزمة الهجرة الحقيقية.. عندما تكمن المشكلة في قلة المهاجرين

لاجئون وطالبوا لجوء في برلين منتصف 2015 (غيتي إيمجيز)
لاجئون وطالبوا لجوء في برلين منتصف 2015 (غيتي إيمجيز)

حذر مقال في مجلة فورين أفيرز الأميركية من أن العقود المقبلة ستشهد تراجعا في أعداد السكان في أوروبا وأميركا الشمالية وبعض الدول المتقدمة، جراء سياساتها المتشددة ضد الهجرة والمهاجرين وشيخوخة مواطنيها.

وجاء في المقال الذي كتبه تشارلز كيني الزميل في مركز التنمية العالمية، أن معارضي الهجرة في ازدياد، وأن السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة يوصدون حدود بلادهم في وجه اللاجئين.

وضرب الكاتب مثلا على معاداة الهجرة والمهاجرين في تلك البلدان بتغريدة دونها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حسابه على موقع تويتر في أبريل/نيسان، قال فيها "بلادنا ممتلئة!".

بيد أن مخاوف "في غير محلها" تتعلق بالأمن وبطء اندماج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة والوظائف "السليبة"، صرفت الأنظار عن الأزمة الديمغرافية (السكانية) الحقيقية المحدقة بأوروبا وأميركا الشمالية.

نقص السكان
وللمفارقة، فإن الأزمة السكانية ليس مردها كثرة المهاجرين بل قلتهم، بحسب تشارلز كيني الذي يتوقع انخفاضا في أعداد السكان في أوروبا وأميركا الشمالية وتقدمهم في السن خلال العقود القادمة، في وقت يتراجع فيه إنجاب الأطفال يوما بعد يوم.

ويرى الكاتب أن من شأن هذا التوجه الإضرار بالنمو الاقتصادي وحيوية الدولة، وأن يؤدي إلى تناقص أعداد العمال في مقابل زيادة عدد المتقاعدين عن العمل.

ولن ينقذ الإنسان الآلي ولا الذكاء الاصطناعي الدول الغنية من التبعات الاقتصادية الناجمة عن انكماش عدد السكان فيها، ولن ينفعها كذلك تدفق الأيدي العاملة من مناطق أخرى إذا لم تراجع سياساتها الراهنة إزاء المهاجرين بشكل جذري.

ويقترح الكاتب أن على الدول الغنية -إذا أرادت تفادي الجمود والتدهور- أن تتنافس فيما بينها لاستقطاب المهاجرين بدلا من صدهم.

ودعم تشارلز كيني أفكاره التي سطرها في مقاله بمجلة فورين أفيرز بالإحصاءات، فقال إن معدل ما للمرأة العادية في أوروبا من الأطفال اليوم يبلغ 1.6، بينما لنظيرتها في أميركا الشمالية أقل من 1.9، وهو رقم يقل عن المطلوب للحفاظ على معدل ثابت في عدد السكان.

وثمة توقعات بأن أعداد السكان في عشر دول أوروبية -إلى جانب اليابان- ستتقلص بنسبة 15% أو أكثر بحلول عام 2050. وهناك تكهنات بأن أعداد السكان في سن العمل بدول الاتحاد الأوروبي كلها ستنخفض بواقع 44.5 مليون شخص خلال السنوات الـ65 المقبلة.

انخفاض وشيخوخة
ويترافق تدني أعداد السكان مع شيخوختهم. ففي أوروبا، تجاوز عمر ربع السكان ستين عاما بالفعل، وبحلول عام 2050 سترتفع تلك النسبة إلى أكثر من الثلث. وفي عام 2080، سينضم مزيد من المتقاعدين عن العمل في دول الاتحاد بزيادة تقدر بنحو 53.3 مليون شخص عن أعدادهم اليوم.

ويبدو أن الوضع في الولايات المتحدة أفضل نسبيا عن الاتحاد الأوروبي، فقد شهدت 80% من المقاطعات الأميركية تراجعا في عدد من هم في سن العمل خلال الفترة ما بين 2007 و2017.

ووفقا للمقال، فإن السكان المعمرين سيرهقون نظم الرعاية الاجتماعية في بلدانهم مما سيجعلها على حافة الانهيار. وسيتعين على إسبانيا مثلا أن تزيد إنفاقها على الرعاية الصحية والعناية بكبار السن وزيادة مخصصات التقاعد بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي ما بين عامي 2004 و2050.

وللمعمرين من السكان تأثير سلبي على حيوية الاقتصاد في دولهم أيضا، فإذا شكل المتقاعدون في دولة ما نسبة بين 10 و20% من السكان، فإن متوسط معدل نمو الفرد من السكان سيبلغ 2%.

وبحسب تقديرات الاقتصاديين في مؤسسة راند الأميركية للأبحاث والتطوير، فإن شيخوخة السكان ستخصم 1.2 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتحدة خلال هذا العقد، و0.6 نقطة مئوية أخرى في العقد القادم.

معدلات المواليد
وقد ظلت الحكومات تحاول رفع معدلات المواليد بين مواطنيها من أجل إبطاء تراجع أعداد السكان، ولذلك يتساءل تشارلز كيني: إذا لم تتمكن الحكومات من زيادة معدلات الخصوبة لدى مواطنيها، وباتت اقتصادات الدول بحاجة إلى جيل جديد من العمالة، فهل تستطيع الروبوتات ملء الفراغ؟

وفي معرض إجابته عن السؤال، يرى الكاتب أن تجارب دول مثل ألمانيا -التي لها قدرات عالية في التشغيل الآلي (الأتمتة) وأعلى نسب توظيف- تشي بأن الروبوتات لا تُغني عن العامل البشري.

إن العملية الإنتاجية -بما فيها تلك التي تعتمد على الآلة- تتطلب لزيادة مستوياتها مشاركة القوى العاملة البشرية فيها، فالأتمتة تخلق مزيدا من الطلب على العمالة وليس العكس. ولعل ذلك يوحي بحل واحد للأزمة السكانية ألا وهو أن على الدول الغنية فتح حدودها أمام المهاجرين.

إن جلب عمال أجانب سرعان ما سيؤدي إلى تحسن نسبة العاملين إلى غير العاملين. وتساعد الهجرة في رفع معدلات الخصوبة كذلك، فالمولودون لأم أو أب أجنبي يشكلون زهاء 13% من تعداد سكان الولايات المتحدة، لكنهم ينجبون 23% من أطفال الدولة.

ويتكهن مكتب الإحصاء السكاني الأميركي -دون أن يأخذ في الاعتبار معدلات الهجرة والمواليد من أمهات لآباء أجانب- أن تعداد سكان الولايات المتحدة سيتراجع بحوالي ستة ملايين ما بين عامي 2014 و2060.

معدلات هجرة
ومن وجهة نظر كاتب المقال، فإن معدلات الهجرة العالية تُعد أهم أسباب تفوق الولايات المتحدة على أوروبا من الناحية السكانية.

ومن بين المنافع التي تجنيها الدول من الهجرة، أن المهاجرين يساعدون سكان المجتمعات التي يفدون إليها، أما الادعاء بأن المهاجرين سيجتاحون القطاع السكني أو يسيطرون على برامج الخدمات الاجتماعية الحكومية فحجة غير مقنعة، إذ إن تعداد السكان المحليين في تراجع، والولايات المتحدة توظف المهاجرين لتقديم تلك الخدمات ذاتها.

ولطالما أبلت الولايات المتحدة بلاءً حسنا في جذب العمالة الماهرة، فنحو 57% من المهاجرين ممن يملكون براءات اختراع انتقلوا للإقامة في الولايات المتحدة.

وينتقل الكاتب بعد ذلك متسائلا: ما الذي تستطيع الدول الغربية فعله لتفادي كارثة ديمغرافية؟ وقد بينت اليابان أفضل السبل للمضي قدما لتجنب وقوع مثل تلك الكارثة، وهي الدولة التي تتجاوز أعمار أكثر من ربع سكانها 65 عاما.

وينصح مقال فورين أفيرز الدول الغربية بالنظر إلى منطقة الشرق الأوسط، فنسبة 20% في المتوسط من سكان دول مجلس التعاون الخليجي الست هم من مواليد دول أجنبية، وهو معدل أكبر بالمقارنة مع فرنسا والولايات المتحدة حيث تبلغ النسبة فيهما 13%.

استقدام العمالة
وأغلب المقيمين في بعض دول الخليج من المهاجرين. ويشير المقال إلى أن الشركات والحكومات في الخليج تستعين بوكالات استقدام العمالة لتزويدها باحتياجاتها من العاملة الأجنبية.

غير أن كاتب المقال يحذر الولايات المتحدة وأوروبا من استنساخ النظام المعمول به في الخليج برمته، إذ يزعم أن العديد من المهاجرين في تلك المنطقة يتقاضون أجورا أقل ويعملون في ظروف أسوأ مما وعدتهم به وكالات استقدام الأجانب.

ويعزو تشارلز كيني ذلك إلى أن العمال لا يستطيعون العمل لغير الشركة التي تكفلهم، بل إنهم في الغالب لا يتمكنون من الإعراب عن تذمرهم أو ترك وظائفهم.

ثم إن المهاجرين إلى الخليج لا يمكثون طويلا في المنطقة، مما يعني -بحسب كيني- أنهم لا يفيدون الدول المستقبلة لهم أكثر من الذين ينتقلون إليها من أجل الإقامة الدائمة فيها.

ولأن الروابط الثقافية والشبكات الاجتماعية تُعد عنصرا حاسما في تشجيع الهجرة، فعلى أوروبا والولايات المتحدة أن تعمل على استحداثها عندما تحين الفرصة.

ولعل فرصة كهذه -وفق المقال- قد تتأتى عندما تتسبب الصراعات في أماكن أخرى في موجات من اللاجئين الذين قد يشكلون النواة لمجتمع مهاجرين جديد.

لوتري أميركي
وتطرق تشارلز كيني إلى برنامج تأشيرة هجرة التنوع أو الهجرة العشوائية (اللوتري الأميركي)، وهو قرعة سنوية للحصول على رخصة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.

يقول كيني إن برنامج الهجرة العشوائية يمنح فرص القدوم إلى الولايات المتحدة لمواطني الدول التي يقل عدد مواطنيها الذين هاجروا إليها عن 50 ألف شخص خلال السنوات الخمس السابقة، وشدد على ضرورة أن تتوسع واشنطن في هذا البرنامج.

ويزعم الكاتب أن المشكلة السكانية هذه تتجاوز حدود الدول الغربية، متوقعا أن تضرب الصين بشدة. ويوضح في هذا الصدد أن 22% من سكان الصين ستتجاوز أعمارهم 65 عاما بحلول عام 2040.

وتتخلف الصين عن ركب الدول التي تتطلع لاستقطاب مهاجرين إليها، إذ يشكل عدد المواليد من الأجانب في تلك الدولة أقل من 0.5% من إجمالي عدد السكان، ويبدو الغرب -على عكس الصين- محظوظا بوجود شريحة كبيرة من سكانه من المهاجرين.

على أن ذلك الحظ -برأي مقال تشارلز كيني- لن يدوم طويلا إلا إذا فتحت الحكومات حدود دولها أمام الهجرة. وعوضا عن الانقياد لسياسة تفضيل مصالح سكانها المعمرين على حساب مصالح المهاجرين، ينبغي على السياسيين في أوروبا وأميركا الشمالية التفكير بجدية في كيفية الحفاظ على حيوية الغرب الاقتصادية، وهو ما يعني البحث عن مزيد من المهاجرين لاستقطابهم.

وتختم فورين أفيرز مقال تشارلز كيني بالقول إنه في زمن "الإرهاب الدولي"، يولي مجتمع الاستخبارات الوطنية اهتماما عظيما بجموع الناس العابرة للحدود. لكن الكاتب يرى أن حكومات تلك الدول ستجد من الأسباب الأخرى ما يجعلها تخشى الجفاف أكثر من الطوفان، في إشارة رمزية إلى تفضيل كثرة المهاجرين على قلتهم.

المصدر : فورين أفيرز,الجزيرة