السترات الصفراء في عامها الأول.. سياسة كسر العظم تشتد مع ماكرون

السترات الصفراء بدأت قبل عام للمطالبة برفع مستوى المعيشة للفرنسيين وخفض الضرائب (غيتي)
السترات الصفراء بدأت قبل عام للمطالبة برفع مستوى المعيشة للفرنسيين وخفض الضرائب (غيتي)

هشام أبو مريم-باريس

تحل اليوم الأحد 17 نوفمبر/تشرين الثاني الذكرى الأولى لاندلاع حركة السترات الصفراء في فرنسا، وسط عودة الاحتجاجات بقوة وبزخم كبيرين، للمطالبة برفع مستوى المعيشة لملايين الفرنسيين، وخفض الضرائب التي تثقل كاهلهم.

وعرفت مختلف المدن الفرنسية أمس السبت مظاهرات احتجاجية للأسبوع 53 على التوالي، تخللتها أعمال عنف ومناوشات مع قوات الأمن في عدد من المدن الكبرى، وعلى رأسها باريس.

وحسب آخر استطلاع للرأي لمؤسسة إيلاب، فإن 69% من الفرنسيين يعتبرون أن مطالب حركة السترات الصفراء مشروعة.

وتفجرت مظاهرات السترات الصفراء قبل عام، إثر قرار الحكومة زيادة الضرائب على الوقود، وأطلق اسم السترات الصفراء على المحتجين لأنهم خرجوا في الشوارع مرتدين السترات الصفراء الليلية الخاصة بسائقي السيارات، لكن سرعان ما وجدت مطالبهم صدى واسعا لدى فئات اجتماعية أخرى، حانقة على سياسات ماكرون الليبرالية.

وما تزال حركة السترات الصفراء تشكل أخطر أزمة تواجه الرئيس ماكرون منذ تسلمه السلطة قبل نحو عامين ونصف العام.

 

حكومة "صماء"
واعتبر كريستيان بلانو، منسق حركة السترات الصفراء لمنطقة إيسون (في الضاحية الباريسية) أن مرور عام على انطلاق الحركة يعكس قوتها وحيويتها وعزيمتها على مواصلة النضال الاجتماعي حتى تحقيق أهدافها، وإرغام الحكومة على الاستجابة لمطالبها كلية، وليس تقديم مجرد مسكنات "لا تسمن ولا تغني من جوع"، حسب وصفه.

وأوضح بلانو -في تصريح للجزيرة نت- أن حكومة ماكرون استخدمت سياسة النفس الطويل، معتقدة أن وهج السترات الصفراء سيخبو مع مرور الأسابيع والشهور، لكنه كان رهانا خاسرا، مؤكدا أن عشرات الآلاف من الفرنسيين في مختلف ربوع البلاد واجهوا البرد القارس شتاء، والحر القائظ صيفا، إضافة إلى قمع قوات الأمن والشرطة لهم، ورغم كل هذه الصعاب لم يستسلموا ولم ينسحبوا من الميادين.

وانتقد الناشط في الحركة لامبالاة حكومة ماكرون -التي تدهورت شعبيتها ووصلت مستويات قياسية- بالاحتجاجات وبقائها؛ "صماء غير آبهة بمطالب المحتجين منذ عام، ولا تتخذ إجراءات عاجلة وملموسة"، من خلال رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1500 يورو على الأقل، وخفض الضرائب على المتقاعدين، ورفع المساعدات الاجتماعية للفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة والعاطلين عن العمل والطلبة، وفرض مزيد من الضرائب على الأغنياء والشركات العالمية. 

استجابة ناقصة
وكانت حكومة ماكرون رضخت لعدد من مطالب المحتجين بعد ثلاثة أشهر من المظاهرات، حيث قررت إلغاء الضريبة على الوقود التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، وقررت عدم رفع الضرائب على الفئات المتوسطة والفقيرة والمتقاعدين، إضافة إلى زيادة بقيمة مئة يورو (130 دولارا) في معاشات الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.

لكن الحكومة رفضت الاستجابة لأحد أهم مطالب السترات الصفراء، المتمثلة في إعادة الضريبة على الثروة بالنسبة للأغنياء، تحت ذريعة أن إلغاءها يشجع الأثرياء على عدم الاستثمار في الخارج.

كما لم تسن الدولة قوانين جذرية وصارمة للحد من التهرب الضريبي للأغنياء، وهو ما طالب به المحتجون، الأمر الذي اعتبروه نوعا من التواطؤ من جانب الحكومة مع الطبقات الغنية بحكم توجهاتها الليبرالية.

 

إصلاحات قاسية
بدوره، اعتبر المحلل السياسي والإعلامي مصطفى الطوسة أن حركة السترات الصفراء رغم فقدانها زخمها بعد مرور 53 أسبوعا بسبب صور العنف والتخريب التي تخللت المظاهرات وانعكست بشكل سلبي على شعبيتها؛ فإنها نجحت إلى حد كبير في لجم رغبات الرئيس إيمانويل ماكرون بتمرير إصلاحات ليبرالية قاسية، في عدد من القطاعات الحيوية.

ولفت الطوسة في تصريح للجزيرة نت إلى أن السترات الصفراء فرضت على الحكومة الفرنسية التريث، وأحيانا التراجع عن قوانين ومشاريع إصلاحية ليبرالية، كان ماكرون يعتبرها بمثابة صدمات صحية للاقتصاد الفرنسي، لإعادته إلى طريق النمو والإنتاج. 

حالة غليان
ويشهد الوضع الاجتماعي في فرنسا حالة من الغليان منذ أسابيع، بعدما دخلت فئات مهنية جديدة على خط التنديد بسياسات الحكومة الليبرالية، خاصة في المجالات الحيوية مثل التعليم والنقل والصحة.

وخرجت مظاهرات حاشدة لعمال قطاع الصحة ضد قرار الحكومة خصخصة بعض المستشفيات العمومية، كما شهدت الجامعات الفرنسية حركة احتجاجية واسعة وإضرابا عاما قبل أيام، بعدما أضرم طالب النار في جسده بسبب معاناته من مشاكل مادية خانقة. وقبله بشهر، أقدمت مديرة مدرسة على الانتحار في مكتبها بسبب معاناتها من ظروف العمل الصعبة.

ومن المقرر أن تخرج مظاهرات حاشدة في الخامس من ديسمبر/كانون الأول المقبل، لكبرى النقابات العمالية، في مختلف القطاعات الحيوية رفضا لقانون إصلاح التقاعد، وهو ما تخشاه الحكومة الفرنسية بشكل كبير.

ويرى مصطفى الطوسة أن ماكرون يخشى أن تتقاطع وتلتقي مطالب السترات الصفراء مع مطالب باقي الفئات المهنية الأخرى على أرضية اجتماعية وسياسة واحدة، لتشكل عنصر ضغط كبيرا، وتتحول إلى عامل يوحد نضالاتها، وبالتالي ستكون بمثابة الضربة القاضية لطموحاته للترشح لولاية ثانية.

المصدر : الجزيرة