"اللعبة المميتة".. فورين بوليسي: الهوس بأمن الحدود يرتد وبالا على الغرب

حذر مقال بمجلة فورين بوليسي الأميركية -التي تُعنى بقضايا السياسة الخارجية- من أن "هوس" الدول الغربية بأمن حدودها سينجم عنه عدم استقرار، وسيرتد وبالا عليها.

وفي مقالهما المشترك، أوضح روبن أندرسون الأستاذ بجامعة أوكسفورد وديفد كين الأستاذ بكلية لندن للاقتصاد أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأستراليا يشدون من أزر الأنظمة الاستبدادية، ويفاقمون التعسف، ويذكون جذوة الفساد، ويلهبون مشاعر التعصب وعدم التسامح داخل بلدانهم. كل ذلك باسم محاربة الهجرة "غير المشروعة".

ووصف الكاتبان ذريعة "محاربة الهجرة غير المشروعة" بأنها "لعبة جديدة" تلجأ إليها الدول الغربية من كانبيرا في أستراليا إلى واشنطن في أميركا مرورا ببروكسل في بلجيكا وروما.

ولعل هذه "اللعبة المميتة " -حسب تعبير المقال- لا يمارسها، للأسف، حفنة من السياسيين "القساة غريبي الأطوار " فحسب، بل هي عمل منهجي.

درء الهجرة
وطيلة سنوات عديدة مضت، ظلت الدول الأشد فقرا المجاورة للبلدان الغربية تضطلع بالجزء القذر من تلك اللعبة وهو درء الهجرة. وغالبا ما تكون المكاسب الناجمة عن هذه السياسة على المدى القصير هائلة.

لكن إذا نظرنا إلى المسألة وفق منظور طويل المدى، فإن تكليف الدول الأشد فقرا بمهام مراقبة موجات الهجرة وضبط الحدود سيعود بالضرر على الدول الغربية من حيث أرادت تحقيق منافع لنفسها.

وقد أوضح تقرير أعده الكاتبان في يوليو/تموز الماضي أن الاتحاد الأوروبي والدول المنضوية تحت لوائه شرعوا في إسناد مهمة صد موجات الهجرة "غير الشرعية" لدول مثل تركيا وليبيا والنيجر بما سيترتب عليها من عواقب وخيمة نادرا ما جرى التطرق إليها بالبحث.

وتقبلت وسائل الإعلام الغربية "بلهفة" قصة النجاح المزعومة، فكان أن قللت من تغطيتها لأخبار الهجرة، ولزمت أصوات "أكثر تقدمية" الصمت مخافة إثارة اليمين المتطرف.

فشل أخلاقي
غير أن هذا النجاح "الزائف" يخفي وراءه فشلا أخلاقيا وسياسيا ذريعا سيظل يلازم الاتحاد الأوروبي ولا يفارقه، على حد تعبير المقال.

إن مكافحة أوروبا المزعومة للهجرة غير النظامية أذكت الانتهاكات التي ستقوض دور الاتحاد الأوروبي وقيمه الراسخة. إن عقلية الأزمة المزمنة داخل أوروبا نفسها أشاعت إحساسا بالحصار والطِيَرة لم يعد بالنفع على أحد سوى اليمين المتطرف.

ومثال على ذلك، ما شهدته إسبانيا مؤخرا من صعود حزب "فوكس" اليميني المتشدد الذي يثير الآن ضجة من أجل إقامة "حواجز منيعة" على حدود جيبي سبتة ومليلية شمال أفريقيا، حيث ظلت الجدران العالية والتكنولوجيا العسكرية والقوة البشرية تساهم لسنوات في الفوضى الماثلة هناك.

وقد بدا الاتحاد الأوروبي أكثر عزما وأشد تصميما شأنه في ذلك شأن الولايات المتحدة، فالتفتت دوله حول مشروع ضمن إستراتيجيته للسنوات الخمس المقبلة شبيه بخطط اليمين المتطرف، والتي تقوم على حماية الحدود لا البشر.

تصدير المشكلة
وتكمن تلك الإستراتيجية ببساطة في تصدير المشكلة إلى خارج دول الاتحاد. فقد أفاد المجلس الأوروبي أن هذه الإستراتيجية تتضمن إسناد "ضبط الحدود إلى دول أخرى ذات سجلات سيئة السمعة في مجال حقوق الإنسان".

وعملا بالمثل القائل "البعيد عن العين بعيد عن القلب" فإن ذلك يعني ببساطة إبقاء التهديد بعيدا عن دول الاتحاد الأوروبي بتصدير تكاليف ومخاطر مكافحة الهجرة إلى تلك الدول الواقعة خارج حدود القارة العجوز.

ومع نجاح حملته المعلنة ضد الهجرة، يخسر الاتحاد الأوروبي حربا أكبر تتمثل في بسط نفوذه، ويهدم القيم التي يُفترض أنها تمثل دعامة للمشروع الأوروبي، ويُضعف قوته الدبلوماسية بالخارج.

وما إن جرى تصوير الهجرة على أنها تمثل تهديدا وجوديا لنمط الحياة الأوروبية، فإن الشعوب على الجانب الآخر من حدود الاتحاد الأوروبي ستعرف كيف تستغل التهديد بفعالية لصالحها مع ما يترتب على ذلك من تبعات مزعزعة للاستقرار.

المصدر : الجزيرة,فورين بوليسي