مقاعد "مشتتة" بين كل الأطياف.. أي مستقبل للبرلمان التونسي الجديد؟

عبير موسى (الثانية من اليسار) رفضت أداء القسم وراء الغنوشي (رويترز)
عبير موسى (الثانية من اليسار) رفضت أداء القسم وراء الغنوشي (رويترز)

خميس بن بريك-تونس

غلبت أجواء التشنج والتجاذب أمس الأربعاء خلال مراسم تنصيب نواب البرلمان الجديد في تونس، مما أذكى التوقعات بحصول أزمات بين الكتل المرتقب تشكلها، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على التوافق وعمل الحكومة المقبلة وتمرير القوانين بأريحية.

وانتخب البرلمان الجديد رئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي (78 عاما) رئيسا له، وذلك في أول جلسة عامة له أدى خلالها النواب اليمين الدستورية. 

وأطل شبح التجاذبات من الباب العريض في ظل التصريحات النارية التي أطلقتها قيادات الأحزاب الممثلة حاليا في البرلمان، ورفض نواب الحزب الدستوري الحر -سليل النظام السابق والمناهض للإسلاميين- أداء القسم مع خصومهم.

ورغم أن الغنوشي بدا حريصا على ضبط النفس فإن اعتراضه الصارم على تلبية مطلب نواب الدستوري الحر بأداء اليمين بصفة فردية دون أداء القسم وراءه كشف -حسب متابعين- حدة التوتر بين الطرفين من البداية.

وفي قراءة للمشهد، يقول زهير المغزاوي الأمين العام النائب عن حركة الشعب للجزيرة نت إن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة خلقت شبه أزمة سياسية بعد أن أفرزت خمس قوى سياسية متقاربة من حيث عدد المقاعد، لكنها متناقضة جدا من حيث التوجهات والرؤى والبرامج.

ومن تجليات الأزمة تعبير بعض الكتل والأحزاب الممثلة بالبرلمان استعدادها لمقاطعة كتل أخرى تتعارض مع توجهاتها، مما يطرح إشكاليات كبيرة، سواء فيما يتعلق بتشكيل الحكومة أو بشأن هندسة حزام واسع لاستقرارها أو فيما يتعلق بالتوافق بشأن سن القوانين وانتخاب الهيئات، وفق المغزاوي.

وتواجه حركة النهضة (52 مقعدا) تحديا كبيرا في تشكيل الحكومة باعتبارها مطالبة بتقديم مرشحها لرئيس الجمهورية يوم غد الجمعة من أجل بدء مشاورات تشكيل الحكومة التي انطلقت فيها واقعيا منذ شهر، لكن دون أن تفضي إلى نتيجة ملموسة حتى الآن.

وتحتاج النهضة -التي أعلنت تمسكها بحقها الدستوري في تشكيل الحكومة ونجحت بانتخاب رئيسها راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان- إلى 109 أصوات لتزكية حكومتها، لكنها وجدت صدى، خاصة من التيار الديمقراطي (21 مقعدا) وحركة الشعب (16 مقعدا) اللذين استماتا في الدفاع عن موقفهما بتشكيل حكومة ترأسها شخصية مستقلة.

بدوره، يقول النائب عن حركة النهضة سمير ديلو إن هناك تحديات حقيقية في تشكيل الحكومة بسبب تباين وجهات النظر بين حركة النهضة وحلفائها المحتملين، مقرا بأن هناك مخاوف حقيقية من بروز إشكالات وأزمات عدة في ظل صعود برلمان متشظٍ ومشتت بين قوى متناقضة.

ويضيف ديلو للجزيرة نت أن المؤشرات الأولية التي أعقبت نتائج الانتخابات التشريعية أظهرت وجود تجاذبات سياسية فيها كثير من التوتر وتنبؤ بحدوث أزمات محتملة، متابعا "إذ لم ننجح في إيجاد توافقات حول مصلحة البلاد فسنشهد تعطيلا، خاصة في مسائل تتطلب توافقات واسعة على غرار انتخاب المحكمة الدستورية".

الحل في التوافق
من جهته، يقول النائب عن حزب قلب تونس رضا شرف الدين -الذي سحب ترشحه لرئاسة البرلمان- إن الحل الأخير لتجاوز الخلافات المقبلة مع نتائج الانتخابات هو ترك المصالح الضيقة، والعمل على إيجاد التوافقات أو الوصول إلى طريق مسدود يزيد الوضع قتامة ويقود البلاد لإجراء انتخابات مبكرة.

وتعيش البلاد وضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا في ظل غلاء المعيشة وارتفاع نسبة البطالة وتراجع الاستثمار واهتراء البنية التحتية، مما يتطلب تظافر جهود جميع مكونات البرلمان وفق شرف الدين الذي أكد أن الوضع سيزداد سوءا في حال تأخر تشكيل الحكومة وازدياد حدة التجاذبات.

وفي السياق نفسه، يرجع المحلل السياسي عبد السلام الزبيدي إفراز الانتخابات برلمانا متشتتا إلى قانون الانتخابات القائم على التمثيلية النسبية مع الأخذ بأغلب البقايا، مما لا يسمح لأي حزب مهما كانت شعبيته بالحصول على الأغلبية المطلقة، فضلا عن ضعف الأحزاب السياسية التي نخرت بعضها الصراعات مثل "نداء تونس".

ويرى الزبيدي أنه من تحصيل الحاصل أن تواجه تونس في الفترة المقبلة في ظل المشهد السياسي المتشتت بعض الإشكاليات على مستوى عمل البرلمان والحكومة، لكنه يقول للجزيرة نت إن تونس قابلة أن تحكم بهذا الوضع إذا تم طبعا التغلب على تلك التجاذبات بواسطة الحلول التوافقية بين الأحزاب السياسية.

ومن بين التحديات المطروحة على البرلمان في الفترة المقبلة المصادقة على قانون المالية وموازنة عام 2020 في أجل لا يتجاوز العاشر من الشهر المقبل، ولن يكون سن القوانين التحدي الوحيد، وإنما تحسين صورته وأدائه الذي وصف بالضعيف خلال الولاية المنقضية بسبب السياحة الحزبية وشبهات الفساد، وفق قوله.

ويضيف أن البلاد أمام تحديات كثيرة، أبرزها إرساء الهيئات الدستورية وتحسين الأوضاع، وهو ما يتطلب -وفق رأيه- التمهل في تشكيل حكومة حولها حزام سياسي واسع لتؤدي مهامها بثبات.

المصدر : الجزيرة