محاكمة مدبري انقلاب البشير عام 89.. جدل قانوني تغطيه السياسة

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير ونائبه السابق علي عثمان من أبرز المتهمين بانقلاب 1989 (الجزيرة نت)
الرئيس السوداني المعزول عمر البشير ونائبه السابق علي عثمان من أبرز المتهمين بانقلاب 1989 (الجزيرة نت)

مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

في تحول دراماتيكي، أصبح الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي علي الحاج مطلوبا للعدالة، بعد ساعات من تأييده تسليم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وبحسب اللجنة القانونية لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت الاحتجاجات في السودان، فإن النيابة العامة أمرت قبل يومين بالقبض على كل من الحاج والقيادي في المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي لدورهما في تدبير انقلاب 1989 الذي أوصل البشير إلى سدة الحكم.

وكان آنذاك تنظيم الجبهة الإسلامية بزعامة الراحل حسن الترابي هو العقل المدبر للانقضاض على حكومة الصادق المهدي.

علي الحاج يواجه مذكرة اعتقال بسبب دوره في الانقلاب (الجزيرة نت)

وقال تجمع المهنيين السودانيين -أحد مكونات قوى الحرية والتغيير- في صفحته على فيسبوك إن النيابة الجنائية واصلت إجراءات البلاغ المدون ضد مدبري ومنفذي انقلاب 30 يونيو/حزيران 1989، حيث تمت مخاطبة سلطات السجون لتسليم المتهمين: عمر حسن أحمد البشير، وعلي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وعوض أحمد الجاز.

كما تم إصدار أوامر قبض في مواجهة كل أعضاء مجلس قيادة انقلاب الإنقاذ العسكريين الأحياء، إضافة إلى علي الحاج وإبراهيم السنوسي القياديين في حزب المؤتمر الشعبي الذي كان يتزعمه الدكتور حسن الترابي، والذي شكله بعد المفاصلة بينه وبين نظام البشير عام 1999.

وقد أثار البلاغ ضد مدبري الانقلاب جدلا قانونيا وسياسيا واسعا في السودان، إذ شهدت البلاد منذ الاستقلال عام 1956 نحو عشر محاولات انقلابية، نجح منها ثلاث.

لكن انقلاب "الإنقاذ" يعد الأكثر إثارة حين تخفى التنظيم الإسلامي وراء العسكر بعد أن أعد العدة للاستيلاء على حكومة المهدي.

وذكرت مصادر للجزيرة نت أن منفذي الانقلاب غير معروفين حتى اللحظة للرأي العام، لكن قرار إسقاط الحكومة وقتها اتخذته هيئة شورى الجبهة الإسلامية التي فوضت الترابي باختيار من يتشاور معه حول الخطة.

وسمى الترابي عددا من القيادات هم: علي عثمان محمد طه، وعوض أحمد الجاز، وعلي الحاج، وإبراهيم السنوسي، والراحلين عبد الله حسن أحمد، وياسين عمر الإمام.

وقد عمل الجميع بنظام الدوائر المغلقة، فكل مجموعة لا تدري ما تفعله الأخرى، لتنتهي كل الخطوط بيد شخصين هما: الترابي وعلي عثمان طه.

اعتراف
وخلال مؤتمر صحفي عقد الاثنين الماضي، أقر الحاج بضلوعه في تنفيذ الانقلاب العسكري الذي قادة البشير قائلا: "نحن قدمنا اعترافات لا نزال باقين عليها.. نحن كنا مع الذين نفذوا الانقلاب".

وتساءل "أليس الوضع القائم اليوم هو انقلاب عسكري؟"، موضحا أن رئيس المجلس السيادي الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان ومجموعته نفذوا انقلابا عسكريا "أنقذ البلاد"، وأن انقلاب عام 1989 لا يختلف عن الانقلاب الحالي، وفق الحاج. 

الترابي (يمين) وإبراهيم السنوسي (وسط) والراحل ياسين الإمام (الجزيرة)

كيل بمكيالين
وقال غازي صلاح الدين رئيس حركة الإصلاح الآن وأحد أبرز القادة الإسلاميين، والذي انشق عن حزب البشير عام 2013، للجزيرة نت إن "المشين والفاضح في ذات الوقت هو أن بعض من تبنى هذه الإجراءات ضد مدبري انقلاب 1989 هم من مدبري ومؤيدي انقلاب 1969" الذي أوصل الرئيس الأسبق جعفر نميري إلى السلطة.

من جهته، وصف القيادي في المؤتمر الشعبي صديق محمد عثمان المذكرة المرفوعة ضد قادة انقلاب 89 بأنها "كيدية وانتقائية"، ومن شأنها إحراج الحكومة.

وأوضح أن انقلاب الإنقاذ لم يكن تقليديا يكلف فيه الحزب عساكره بالتنفيذ ويذهب السياسيون إلى منازلهم، بل كان "انقلابا سياسيا شاملا لطبيعة المشروع الذي يقف خلفه".

وأكد عثمان أن السنوسي اعتقل ليلة الانقلاب وأن الحاج كان خارج البلاد، وبذلك انتفى العنصر المادي للجريمة.

وتابع "في القانون يبحث الاتهام عن العنصر المعنوي لإثبات قصد الجاني من فعل مادي مجرم قانونا، فإذا انتفت مشاركة شخص في الفعل المادي، فإن العنصر المعنوي بلا قيمة".

قائمة مفتوحة
ولم تحصر عريضة الاتهام التي دفع بها القانوني المعروف علي محمود حسنين قبل وفاته في 24 مايو/أيار الماضي عدد المتهمين بالانقلاب، وتركت القائمة مفتوحة كما يقول أبرز مساعديه معز حضرة حتى يدرج فيها اسم أي متهم يسفر عنه التحري.

وأكد حضرة للجزيرة نت أن الشرطة ذهبت لتنفيذ أوامر القبض على الحاج والسنوسي، لكن ذويهما ادعوا أنهما غير موجودين، وتوقع أن يتم اللجوء لطرق بديلة تكفل القبض على الرجلين بتفتيش المنزل أو نشر إعلان في الصحف كمتهمين هاربين.

نزاهة واستقلالية
في المقابل، شكك القانوني وأحد قيادات المؤتمر الشعبي أبو بكر عبد الرازق في صحة الإجراء استنادا لقانون الإجراءات لسنة 1991 الذي حدد 10 سنوات لسقوط البلاغ بالتقادم.

وطعن عبد الرزاق في استقلالية النيابة العامة ونزاهتها باعتبار أن النائب العام ينتمي إلى الحزب الشيوعي، فضلا عن أنه كان قبل تعيينه في المنصب من بين الذين رفعوا المذكرة المطالبة بمحاكمة قادة الجبهة الإسلامية.

وأضاف "لم تعد نيابة عامة ولا لجنة تحقيق نزيهة يمكن الاطمئنان إليها في ظل الخصومة مع الشيوعي".

وفي حديثه للجزيرة نت، قال الكاتب الصحفي عبد الحميد أحمد إن الثورة التي أطاحت بالبشير حملت آمالا بواقع يمنع الإفلات من العقاب، موضحا أن توفر البيّنات دفع النائب العام لاتخاذ قرار بالملاحقة.

ورأى أن "ثمة معضلة تواجه المؤسسات العدلية في حال عزمت على مقاضاة الانقلابين، وهي اختلال بعض بناءاتها القانونية من حيث تعدد نسخ الوثيقة الدستورية، إضافة إلى شبهة التسييس التي طالت المنظومة العدلية ممثلة بالنائب العام".

المصدر : الجزيرة