"شيل معك نفرين".. شباب الخرطوم يطلقون مبادرات لتخفيف أزمة المواصلات

حافلات الخرطوم المتهالكة لا تستطيع وحدها حل أزمة المواصلات المتفاقمة (الأناضول)
حافلات الخرطوم المتهالكة لا تستطيع وحدها حل أزمة المواصلات المتفاقمة (الأناضول)

"يا ماشي لبيتك، شيل معك نفرين!"، هتاف تصدح به حناجر شباب يعترضون سير مركبات خصوصية في شوارع الخرطوم لإقناع سائقيها بأن يقلّوا معهم مجّانا ركّابا ينتظرون منذ ساعات وسيلة نقل، في ظلّ أزمة مواصلات خانقة تعاني منها العاصمة السودانية.

وإذا كانت المواصلات أزمة مزمنة في السودان، ولا سيّما في العاصمة، فقد تفاقمت في الآونة الأخيرة بسبب عوامل عدّة أبرزها تهالك حافلات النقل العام وغالبيتها مملوك لأفراد، وخروج قسم منها من الخدمة جرّاء ارتفاع أسعار قطع الغيار، وشحّ الوقود ورداءة الطرق وتدهور سعر العملة.

قبالة مسجد بحري الكبير في الخرطوم، يقف الحاج أبو أحمد وسط مئات من الركاب ينتظر وسيلة نقل تنهي ساعات انتظاره الطويلة، للعودة إلى منزله في أمّ درمان على الضفّة الأخرى من النيل.

يقول السبعيني ذو اللحية القصيرة البيضاء بلون عباءته وعمامته "أنتظر منذ ساعتين! مرّت حافلات كثيرة لكنني لم أستطع ركوب أي منها، لأنني مسنّ لا أقوى على الركض أو التدافع ولا أملك المال لأستقل سيارة أجرة أو حتى توك توك".

عربات و"روزات"
أمامه، وسط طريق تملؤها الحفر وعلى جانبيها طبقة كثيفة من الرمال، يقف شبان يرددون هتافات بينها "أُقسِم، أُقسم، أُقسم.. هنجيب عربات عربات.. عربات وكمان روزات (حافلات)".

هؤلاء هم "شبّان المبادرة" الذين كانوا جزءا من ثورة جمعت ملايين السودانيين على حكم الرئيس عمر البشير، قبل أن يطيح به الجيش في أبريل/نيسان الماضي، وكانت المواصلات واحدة من الأزمات التي ساهمت في إطلاق شرارة الانتفاضة الشعبية.

ويستبق بعض السائقين محاولة إيقافه بإشارة من بعيد بسبابته نحو الأسفل، مما يعني أن المكان الذي يقصده قريب، فيكمل سيره دون توقف، بينما يتوقف آخرون بكل طيب خاطر مرحبين بالمبادرة وبركابهم.

وتبدأ ساعة الذروة المسائية في الخرطوم في الرابعة بعد الظهر مع انتهاء دوام الموظفين والطلاب، وتستمر أحيانا حتى الثامنة مساء. وزاد من حدة الأزمة الفارق الشاسع بين السعر البخس لتذكرة الحافلة المحدد قانونا (5 جنيهات أي أقل من 10 سنتات) والتسعيرة التي يحددها سائقو سيارات الأجرة "على مزاجهم" في غياب عدادات أو تعرفة محددة.

من باب الترف
وفي بلد يقلّ فيه معدل دخل الفرد اليومي عن دولارين، أصبح ركوب سيارة الأجرة ترفا بالنسبة للطبقة الكادحة.

وفيما تلوح من بعيد حافلة كبيرة زرقاء فارغة يندفع العشرات باتجاهها، تبقى سحر رمضان -الثلاثينية التي تحمل على كتفها رضيعتها- في مكانها، فهي تعلم أن لا حظ لها في الظفر بمقعد.

وتضطر الحافلة للتوقف في وسط التقاطع مع تقاطر الركاب دفعة واحدة، ولا تنفع كل محاولات شرطي المرور ببزّته الكحلية وصافرته التي تصمّ الآذان في جعل الركّاب يتريثون.

أقل من دقيقة، ويتكدس الركاب في الحافلة جلوسا ووقوفا، فتنطلق. ولكن هذا لا يمنع بعض الشبان من الركض خلفها وإكمال محاولتهم ركوبها، بينما تواصل سيرها وقد مالت بشدة نحو اليمين من وطأة الحمولة الزائدة كأنها على وشك الانقلاب.

سارت رقيّة النور (24 عاما) على الأقدام مدة ساعتين من جامعة الخرطوم حيث تدرس إلى هذه المحطة، لعلّها تركب حافلة توصلها إلى منزلها في منطقة الثورة، معتبرة أن فرصها في هذه المحطة أفضل؛ لكنها بقيت على الطريق.

وبصوت مرتفع ونبرة غاضبة، تقول طالبة اللغة الصينية وقد غطت رأسها بحجاب برتقالي شفاف "وضعُ البلد سيّئ! خرجنا في تظاهرات ولا حلّ، أصبحت (السلطة) مدنية ولا حل، ولغاية الآن الوضع مستعصٍ.. هل سيظل وضع المواصلات هكذا؟ هل سنظل نعاني؟".

ووعدت الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك بمعالجة أزمة المواصلات سريعا عبر خطة تشمل خصوصا استيراد حافلات وإصلاح المعطل منها وتأهيل طرق رئيسية وتعزيز الرقابة وتفعيل سكك الحديد، وبانتظار حصول ذلك أمرت جميع الوزارات والمؤسسات والقوات الأمنية والعسكرية "بتسخير آلياتها لنقل المواطنين مجانا".

لكن رقيّة التي يستغرق مشوار عودتها إلى منزلها يوميا ثلاث أو أربع ساعات، تعول أكثر على المبادرات الفردية، وتقول "لو أقلّ كل سائق نفرين (شخصين) أو ثلاثة معه لحلّت الأزمة.. شباب المبادرة يحاولون إقناع السائقين بذلك لكن بعض هؤلاء مفترون، يروننا ويكملون سيرهم".

إقناع بالقوة
وإذا كان "شبان المبادرة" يحاولون عبر الهتاف إقناع سائقي المركبات الخصوصية بنقل الركاب، فإنهم يستخدمون لغة أخرى لإقناع سائقي الحافلات، فلا يتوانون عن إجبارهم على تغيير وجهاتهم لكي يقلوا معهم أعدادا أكبر من الركاب ولمسافات أطول.

يقول سائق إحدى الحافلات ويدعى نزار دفع الله (32 عاما) -بانزعاج واضح- "كنت متّجها إلى ناحية المصرف فأجبرني شبّان المبادرة بالقوة على الذهاب إلى الكوبري".

ويضيف "حالة الطرق سيئة والمحروقات شحيحة والزحمة خانقة، وكل هذا يقلل من عدد رحلاتنا اليومية فيقلّ ربحنا، بينما ترتفع أسعار قطع الغيار".

لكنّ "شبان المبادرة" يقولون إن سائقي الحافلات يحتالون على سعر التذكرة الثابت بتقصير مسافة الرحلة، بحيث بات الراكب يستقلّ أحيانا أربع حافلات للوصول إلى منطقة كان يصل إليها بحافلة واحدة.

المصدر : الفرنسية