هدية من فاراج لجونسون.. إرهاصات تشكيل "نادي ترامب" في بريطانيا

زعيم حزب بريكست نايغل فاراج في إحدى الفعاليات الحزبية بداية نوفمبر/تشرين الثاني الحالي (الأناضول)
زعيم حزب بريكست نايغل فاراج في إحدى الفعاليات الحزبية بداية نوفمبر/تشرين الثاني الحالي (الأناضول)

الجزيرة نت-لندن

ورود كثيرة يلقيها زعيم حزب "بريكست" نايغل فاراج في طريق زعيم حزب المحافظين البريطاني بوريس جونسون بقراره المفاجئ والمثير عدم تقديم أي مرشح للمنافسة في الانتخابات المبكرة المقرر إجراؤها في 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل.

القرار نزل بردا وسلاما على قادة حزب المحافظين، ورأوا فيه تعبيدا للطريق أمام حزبهم للفوز بالأغلبية في هذه الانتخابات، كما أنه أحدث رجة وجدلا في الساحة السياسية البريطانية، وانقسمت المواقف بشأنه بين مرحب بالخطوة معتبرا إياها توحيدا للمعسكر المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي، وبين متوجس منها معتبرا إياها خطوة أولى في اتجاه تحالف بين زعيمين من زعماء اليمين الشعبوي في بريطانيا، في أفق تشكيل أغلبية برلمانية تميل نحو الانسحاب من التكتل الأوروبي بدون اتفاق.

نايغل فاراج برر قراره بما رآه من تصريحات لبوريس جونسون يعد فيها بإخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بحلول سنة 2020، وبكون دخول حزبي المحافظين و"بريكست" في منافسة على المقاعد سيشتت الأصوات، ويمنح فرصة سانحة لحزب العمال من أجل تقليص الفارق مع المحافظين وإنتاج برلمان جديد لا ترجح فيه كفة الأغلبية لأي حزب.

وتذهب صحيفة فايننشال تايمز إلى أن نايغل فاراج استجاب للضغوط التي كانت تحذر من قضم حزب "بريكست" من مقاعد المحافظين، وهي تحذيرات تعززت عندما أظهرت آخر استطلاعات للرأي نجاح حزب العمال في تقليص الفارق مع المحافظين أمام تراجع حظوظ حزب "بريكست"، في حين أن كل ما يحتاجه حزب المحافظين هو إضافة تسعة مقاعد إلى حصته الحالية لحصد الأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة دون الحاجة للتحالف مع أي حزب آخر.

لمسة ترامب حاضرة
لا تختلف التحليلات بشأن المستهدف الأول من هذا القرار، وهو حزب العمال الذي يتقدم بثبات لتقليص الفارق بينه وبين حزب المحافظين، فكان أول رد فعل من زعيمه جيرمي كوربن حول هذا التوافق الخفي بين جونسون وفاراج أن وصفه بأنه تحالف بين جونسون وفاراج والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وحذر كوربن من هذا التحالف "لأنه سيقود البلاد إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة يهدد كل قوانين بلادنا ومصالحنا العمومية، وهو تحالف للتقسيم وضرب لحقوق العمال والحق في الصحة".

إقحام جونسون الرئيس الأميركي في هذه الصفقة بين المحافظين وحزب "بريكست" لم يكن من فراغ، بل يستند إلى الوعود التي سبق أن قطعها ترامب بإبرام "أعظم اتفاق تجاري مع المملكة المتحدة" فور خروجها من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الاتصال الذي خصصه ترامب لفاراج على أثير إذاعة "إل بي سي" البريطانية، وخلاله أثنى عليه وعلى جونسون، ودعاهما لتوحيد جهودهما من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتنقل صحيفة غارديان البريطانية عن عدد من المصادر السياسية -التي لم تكشف هويتها- ترجيح احتمال إبرام صفقة سرية بين جونسون وفاراج، قوامها منح الأغلبية لجونسون مقابل وعد بالخروج من الاتحاد الأوروبي ولو تطلب ذلك الانسحاب بدون اتفاق، وهذا هو المطلب الذي يسعى إليه فاراج الذي بنى كل مساره السياسي طوال ثلاثين سنة على معاداة الاتحاد الأوروبي.

من جهته، يرى باحث سياسي في مركز "يو كوف" في تصريحات للصحيفة نفسها أن قرار فاراج يمكن أن يمنح فرصة حقيقية للمحافظين لتوسيع الفارق مع حزب العمال، لكنه ينبه إلى أن الانتخابات المقبلة ستلعب على جزئيات بسيطة، ذلك أن قرارا مثل هذا يمكن أن يبث الشكوك في صفوف المؤيدين للانسحاب من الاتحاد.

أما بالنسبة لجيمس جونسون الذي سبق أن عمل خبير استطلاعات الرأي لدى رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي فإن خطوة حزب "بريكست" لن تجعل مهمة حزب المحافظين سهلة لأنه يواجه منافسة شرسة من حزب العمال، وتوقع أن يقود هذا القرار إلى تشتيت الأصوات التي كانت متحمسة للتصويت لصالح حزب "بريكست"، ولن تذهب جميعها إلى حزب المحافظين.

نادي اليمين الشعبوي
المتتبع للأفكار السياسية لكل من جونسون وفاراج لن يواجه عناء كثيرا للاهتداء لكونهما ينهلان من المعين نفسه، وهو اليمين الشعبوي الحامل لأفكار معادية للاتحاد الأوروبي وللمهاجرين وللمسلمين، وليس من قبيل الصدفة أنهما تورطا سابقا في تصريحات مسيئة للمسلمين والرموز الإسلامية، إضافة إلى العلاقة الجيدة التي تجمعهما مع ترامب.

وضع دفع بكاتبة الرأي في صحفية غارديان بولي توينبي إلى الدعوة لتوحيد الجهود داخل ما تسميه الصف التقدمي في بريطانيا، وتقصد حزبي العمال والليبرالي الديمقراطي "من أجل الوقوف في وجه تشكيل نادي ترامب في بريطانيا".

الكاتبة ترى أنه لم يعد أمام معارضي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق سوى فرصة واحدة للتحالف من أجل إيقاف تشكيل حكومة ستقود البلاد نحو الانسحاب بدون أي صفقة.

وتحذر الكاتبة من كون المنافسة بين حزبي العمال والليبرالي الديمقراطي هي في حد ذاتها خبر جيد للشعبويين، لأنها قد توحي للناخب المؤيد لفكرة البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج باتفاق أن هناك ضياعا للبوصلة داخل معسكر "البقاء"، وهذا أمر قد يؤدي إلى تراجع الحماسة في صفوف الناخبين لصالح أنصار اليمين الشعبوي الذين يرون في الانتخابات المقبلة فرصة لا تعوض لإنهاء جدل "بريكست" والخروج مهما كلف الثمن.

أما صحيفة إندبندنت فترى في افتتاحيتها أن قرار فاراج عدم منافسة حزب جونسون مرده الأساسي إلى تراجع حظوظ حزبه في تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات المقبلة، ولهذا فقد منح حزب المحافظين هذه الورقة لضمان بقاء جونسون على رأس الحكومة، وهذه المرة سيعود جونسون مستندا إلى شرعية انتخابية أقوى تمحنه قدرة على تمرير خططه التي عجز عن تطبيقها في ولايته الحالية.

المصدر : الجزيرة