واشنطن بوست: العالم العربي يواجه تحديات أكثر من مجرد الإطاحة بالطغاة

واحدة من أقوى مسيرات الحراك في الجزائر منذ انطلاقه في 22 فبراير/شباط، حسب مراقبين (الجزيرة)
واحدة من أقوى مسيرات الحراك في الجزائر منذ انطلاقه في 22 فبراير/شباط، حسب مراقبين (الجزيرة)

في مقاله بصحيفة واشنطن بوست كتب عز الدين فشير أن "العالم العربي يواجه تحديات أكبر من مجرد إسقاط الطغاة".

ويقول الكاتب إن الصور القوية للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية التي خرجت في بيروت وبغداد والجزائر العاصمة تذكرنا مرة أخرى بأن السلطوية العربية لم يعد من المرحب بها، لكنها في أعين كثيرين لم تستنفد غرضها بعد، حيث وصل ضعف الدول العربية إلى نقطة أصبحت فيها السلطوية هي الغراء الوحيد الذي يبقيها متماسكة.

وحسب الكاتب، فإن التحدي الذي يواجه الديمقراطيين العرب هو الانتقال من مجرد الدعوة إلى الديمقراطية لبناء مسارات واقعية للتغيير الديمقراطي.

ويرى فشير -وهو أستاذ زائر بكلية دارتماوث بولاية نيوهامشير الأميركية- أن السلطوية العربية ليست استبدادًا تقليديًا، وأنها تحولت إلى إستراتيجية معقدة للتعامل مع ضعف الدولة.

ويشدد الكاتب على أن الدول العربية لم تكن قوية منذ البداية، لأنها لم تكن قادرة أبدا على توفير أطر سياسية تعزز التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، أو إدارة النزاعات الاجتماعية والسياسية، أو حماية مكانتها في العالم.

ويشرح المقال: اليوم تجلس هذه الدول فوق مزيج من الفقر المتنامي والفساد المستشري والمؤسسات الجوفاء وأجهزة الأمن الوحشية والاستقطاب الاجتماعي الشديد والصراعات المدنية والإقليمية. وكلما كبرت هذه التحديات، ضعف نمو هذه الدول؛ مما يزيد تفاقم هذه التحديات، وهكذا.

ويورد الكاتب أن الأنظمة العربية تبنت القمع من أجل كبت النزاعات الاجتماعية والسياسية التي لم تتمكن من حلها، وإسكات المطالب التي لم تتمكن من مواجهتها؛ فوقعت المؤسسات السياسية الضعيفة -في بلدان مثل مصر- في قبضة الأجهزة الأمنية التي تولت السيطرة على الأمور السياسية من النزاعات الطائفية إلى النزاعات العمالية. وتدريجيًّا، أصبح أمن النظام هو الشغل الشاغل لهذه الأجهزة، مما أدى إلى تآكل احترام سيادة القانون وشيوع انتهاكات حقوق الإنسان، كما أدى ذلك إلى مزيد من تفريغ مؤسسات الدولة، التي لا يبقيها متماسكة الآن سوى خوف يدار بشكل منهجي.

السلطوية العربية
ويبين فشير أن السلطوية العربية تعتمد على المحسوبية والفساد، وأنه من خلال الاعتماد على الانقسامات القبلية أو العائلية أو الطائفية أو العرقية، حافظ الحكام على شبكات محسوبية، وتبادل مصالح مع حلفاء محليين أقوياء، وأصبحت الدولة العربية المانح النهائي، حيث يدير قادة المجموعات الاجتماعية الرئيسية توزيع العطايا الآتية من أعلى وتأمين الولاء من أسفل. وكما تُظهر احتجاجات لبنان ضد هذه الأنماط بالذات، فإن النتيجة النهائية هي إضعاف المعايير والقواعد والعمليات المؤسسية.

ونظرًا للأهمية الحيوية لتسيير المصالح والرشاوى -كما يقول الكاتب- تجذرت "رأسمالية المقربين"، حيث احتل الحكام العرب موقعًا مسيطرًا على الاقتصاد، ودفعوا بقوى السوق إلى درجات مختلفة من التبعية. فبدل القواعد واللوائح المعمول بها التي يمكن أن تصمد أمام تغيير الأنظمة، تعمل الأسواق العربية بشكل أساسي من خلال نظام المحسوبية.

وأخيرًا كما يرى الكاتب، وللتعويض عن عدم قدرتها على حل النزاع المستمر منذ قرن بين الإسلاميين والعلمانيين؛ قمعت الدول العربية الطرفين، واستوعبتهما، وجعلت من نفسها حكمًا بينهما، والبوابة التي تحمي المجتمع –والعالم– من الفوضى التي من شأنها أن تأتي إن تعرضت هذه البوابة للانهيار.

وبالطبع، لم تبتدع الأنظمة الاستبدادية التطرف الإسلامي من أجل تخويفنا، لكنها حرصت على أن تصبح الحاجز الوحيد بيننا وبين عنفه. وتوظيف النظام السوري لـ "تنظيم الدولة" لهذا الغرض هو مثال جيد على هذه الديناميكية.

ويشير الكاتب إلى أن الديمقراطيين العرب يركزون على مقاومة القمع، مع القليل من الاهتمام بما قد يحدث بعد ذلك، لكن الأحداث منذ عام 2011 أظهرت أنه يمكن إسقاط الحكام المستبدين فجأة.

وهنا تأتي التساؤلات: كيف يمكن لحكومة ما بعد الاستبداد أن تدير مؤسسات جوفاء تعمل أساسًا من خلال المحسوبية والخوف، وأن تدير أجهزة أمنية تستشري فيها ثقافة عدم احترام حقوق الإنسان؟ وكيف ستتحكم بالاقتصاد في غياب الأطر التنظيمية التي تعمل خارج نظام المحسوبية؟ وكيف ستدير الاستقطاب الاجتماعي الشديد، وقبل كل شيء المطالب المشروعة لعشرات الملايين من الفقراء؟

الحكم الرشيد
وللإجابة عن هذه التساؤلات، كما يرى فشير، سيكون أمام هذه الحكومة أحد أمرين: إما قمع هذه المطالب والصراعات باسم الديمقراطية؛ ومن ثم الانزلاق عمليًا إلى شكل جديد من الاستبداد. أو السماح لها بالوصول إلى السطح في غياب أطر فعالة لإدارتها؛ ومن ثم الانزلاق إلى عدم الاستقرار والانهيار المحتمل.

وأشار إلى أن الثوار في مصر تعلموا هذا الدرس بشكل مباشر؛ ففي عام 2011، عندما هتفوا في ميدان التحرير "الشعب يريد إسقاط النظام"، كانوا يعتقدون أن بإمكانهم وضع إطار سريع لإدارة هذه الصراعات، وكان الجميع سعداء وعطوفين ومتسامحين، لكن الصراعات الاجتماعية والسياسية أثبتت أنها أكثر صلابة من التعاطف، وبالتالي لم يتمكنوا من الحفاظ على التجربة الديمقراطية.

ويرى الكاتب أن الفكرة القائلة إن الحكام المستبدين وأجهزتهم القمعية هي الحاجز الرئيسي أمام الديمقراطية العربية تشكل تبسيطا مضللا. والطرق التي سار فيها العراقيون والليبيون والمصريون منذ سقوط حكامهم المستبدين المعمرين يجب أن تضع حدًا لهذا الوهم؛ فالسلطوية تلعب أدوارًا اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومن ثم فإن استبدالها بالحكم الديمقراطي يستلزم أكثر بكثير من مجرد إسقاط الأنظمة.

ويختم مقاله بأن مطالبة مليون متظاهر بالحكم الرشيد لن تأتي به، وأنه من أجل الانتقال لهذا لحكم الرشيد، يتعين على القادة الديمقراطيين العرب البدء في بناء شراكات قوية فيما بينهم، والتوصل إلى اتفاقات مع المستفيدين من السلطوية. كما يجب عليهم إيجاد وسائل واقعية لإحياء مؤسسات الدولة المهلهلة. وهذه مهام شاقة لكنها تمثل الفرق بين المناداة بمطالب سامية والعمل على تشكيل الواقع.

المصدر : واشنطن بوست