رغم حضوره في الاستحقاقات السابقة.. ما سر غياب اليسار الجزائري عن الرئاسيات؟

غياب التشكيلات اليسارية عن الحراك طرح أسئلة بشأن مستقبل هذا التيار (الأناضول)
غياب التشكيلات اليسارية عن الحراك طرح أسئلة بشأن مستقبل هذا التيار (الأناضول)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

تعود نشأة اليسار الجزائري إلى سنة 1939 على يدي الرفيق الشيوعي الفرنسي ميشيل توريز "بهدف مزاحمة الإسلام، ومحاولة تغيير هوية الشعب المسلم، بحجة أن سكان شمال أفريقيا خليط من الأجناس القديمة" زاعما أن كثيرا من الجزائريين يرغبون في أن يكونوا فرنسيين".

غير أن قائد الحزب لاحقا عمر أوزقان انتفض خلال ثورة التحرير معلنا أن الجزائر أمة، ومن حقها أن تنال سيادتها، ليتغير المسار بعد الاستقلال من التحرير إلى "مشروع مجتمع".

وأسس الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد أقدم حزب يساري معارض تحت اسم "جبهة القوى الاشتراكية" في 1963 إثر خلافه مع رفاق الثورة.

كما عاد حزب الطليعة الاشتراكية -الذي أسسه الهاشمي شريف- إلى الواجهة في 1989، وهو في الأصل وريث الحزب الشيوعي الأم، قبل أن حظره بعيد الاستقلال، ثم وقوفه مع التوجهات اليسارية لنظام هواري بومدين.

وعلى أنقاض المنظمة الاشتراكية التروتسكية التي كانت تنشط في السرية، ظهر كذلك حزب العمال بزعامة لويزة حنون عام 1990.
حسين آيت أحمد أقدم زعيم يساري معارض في الجزائر (الجزيرة نت)

ويقول أبو جرة سلطاني مؤلف كتاب "جذور الصراع في الجزائر" إن أسهم اليسار في الجزائر ارتفعت في ثلاث محطات تاريخية، حصرها في انقلاب 19 يونيو/حزيران 1965، وإعلان الرئيس هواري بومدين عن ميلاد الثورة الاشتراكية -خاصة الزراعية- سنة 1972، ثم عودة الزعيم محمد بوضياف سنة 1992.

لكن المد اليساري انحصر في زمن التعددية إلا في الإدارة والإعلام والمؤسسات البنكية والفن، بسبب رفض الرأي العام الجزائري التيارات الوافدة وتمسكه بالتيار الوطني الإسلامي كما يقول سلطاني.

غياب وفشل
ومع ذلك، فقد كان اليسار حاضرا في كل الانتخابات الرئاسية منذ 1999 إلى 2014، بترشح المرحوم حسين آيت أحمد ثم لويزة حنون التي تقضي حاليا عقوبة السجن لمدة 15 عاما.

أما اليوم فإن اليساريين يغيبون بالجملة عن استحقاق الحراك في 2019، وسط مشاكل تنظيمية تعصف بكياناتهم الحزبية.

وطرح انكماش التيار أسئلة عدة عن واقع التشكيلات اليسارية ومستقبلها في الجزائر على ضوء تحولات كونية ومحلية جارفة.

ويعتقد المثقف اليساري عمر أزراج أن التيار لم يتمكن من التحول إلى قوة رمزية للشعب الجزائري، كما عجز عن خلق خريطة سياسية وطنية تقوم على قطبية حزبية لها تأثير إيجابي عميق في المشهد الجزائري. 

عمر أزراج: اليسار الجزائري فشل في صناعة قوة شعبية بسبب أخطائه الكثيرة (الجزيرة نت)

ثقافة الحزب الواحد
وأوضح أزراج للجزيرة نت أن حزب جبهة القوى الاشتراكية فشل فشلا ذريعا في تحصين نفسه بإطارات مثقفة تملك فكرا إستراتيجيا متطورا ونابعا من استلهام خصائص المجتمع الجزائري. 

وأضاف أن الحزب طغت عليه كاريزمية شخصية أحد الزعماء التاريخيين لحركة التحرر الوطني، وهو حسين آيت أحمد، مما جعله يفتقر إلى آليات تنظيم نفسه عبر الوطن كطليعة سياسية وثقافية وفكرية مستقطبة، ويبدو مرة تلو الأخرى مجرد حزب جهوي يكتفي غالبا بإعادة إنتاج الأفكار الاشتراكية التقليدية على الصعيد النظري.

كما أكد أن "حزب العمال" لم يفلح هو الآخر في تجاوز ثقافة الحزب الواحد، الأمر الذي منعه من التحول إلى نموذج حيوي لليسار الجزائري المتطور تنظيما واستقطابا للعمال والمثقفين والفلاحين.

 واعتبر أن "الحزب تشبث شبحيا بقشور التروتسكية، مما أصابه بإعاقة العقيدة السياسية المستوردة والجاهزة التي تتزعمها لويزة حنون، وحال كل هذا دون ربح رهان التنمية الوطنية بكل أشكالها". 

لويزة حنون ترشحت ثلاث مرات للرئاسيات وتقضي حاليا 15 عاما سجنا (الجزيرة نت)

أخطاء وعقبات
وشدد أزراج على أن "تسلط الزعيم التاريخي آيت أحمد على حزب القوى الاشتراكية إلى غاية وفاته بالمهجر السويسري، وكذلك انفراد لويزة حنون بزعامة حزب العمال على مدى ثلاثين عاما، وإسناد نقابة العمال إلى شخص رأسمالي مثل سيدي السعيد طوال 22 عاما كلها عوامل قد لعبت دورا مفصليا في تشويه اليسار الجزائري".

وأضاف أن ذلك قلص حظوظه في أن يكون معيارا ديمقراطيا ونموذجا متطورا في المشهد السياسي الجزائري، وهو ما أدى إلى شل قوة اليسار السياسية وأفقده الفاعلية في الانتخابات المختلفة.

من جهة أخرى، فسر رئيس المنتدى العالمي للوسطية أبو جرة سلطاني حالة اليسار بافتقاره إلى قاعدة شعبية حاضنة، حيث "تشكل الانتخابات الشفافة عدوه الأكبر، لأن زعماءه لا ينتعشون إلا في المراحل الانتقالية أو في نظام المحاصصة أو بقمع التيار الإسلامي".

وأضاف أن غيابهم عن الرئاسيات المقررة ليوم 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل يعود إلى ضعف شعبيتهم وعدم وجود كاريزما تمثلهم، ناهيك عن طرحهم مشروع مجتمع مرفوضا شعبيا ورسميا وتاريخيا.

وقال أبو جرة في تصريح للجزيرة نت إن مشكلة اليسار في الجزائر هي أنه تنظيم نخبوي مكفول رسميا وعماليا أمسك بمراكز قرار متقدمة في هياكل الدولة زمن الحزب الواحد، غير أنه أخذ في الانسحاب والتلاشي بعد التعددية.

أبو جرة سلطاني: لا مستقبل لليسار في الجزائر إلا في ظل مواطنة كاملة على قاعدة الأغلبية والأقلية (الجزيرة نت)

الأغلبية والأقلية
وعن مستقبل اليسار، يعتقد سلطاني أن "البيئة التي نشأ فيها لم تعد متوفرة، أي أنه لا مكان للتيار في صناديق الاقتراع، ولا حظ له في أي انتخاب".

وجزم بأنه سوف يتحول إلى نوادي نخب تنشر الفكر والفن والثقافة من منظور أيديولوجي إذا لم يتم احتضانه نخبويا أو بمحاصصة وتعيين فوقي. 

وختم كلامه بأنه "لا مستقبل لليسار في الجزائر إلا في ظل مواطنة كاملة، حيث الأغلبية تحكم والأقلية تحترم، على قاعدة الحق والواجب".

ولم تختلف وجهة نظر الكاتب أزراج، حيث قال إن حدث سجن الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون ينبغي أن يحفز المحللين للتشكيلات السياسية من أجل مدارسة المشكلات الكبرى التي يعاني منها اليسار الجزائري ماضيا وحاضرا، وفي المقدمة منها إنتاج وإعادة إنتاج السلوك القديم لقيادات الحزب الواحد.

المصدر : الجزيرة