الخوف من سيناريو "بريكست".. شبح "كامبريدج أناليتيكا" يخيم على الانتخابات البريطانية

متظاهر يتنكر على هيئة رئيس شركة فيسبوك مارك زكربيرغ أثناء تحقيقات في لندن قبل عام بشأن نشر الأخبار المزيفة (غيتي)
متظاهر يتنكر على هيئة رئيس شركة فيسبوك مارك زكربيرغ أثناء تحقيقات في لندن قبل عام بشأن نشر الأخبار المزيفة (غيتي)

الجزيرة نت-لندن

فرضت مواقع التواصل الاجتماعي نفسها كرقم صعب في الانتخابات البريطانية، وتحولت إلى منصة لا غنى عنها في الحملة الانتخابية، حتى بات استعمال الأحزاب السياسية لهذه المواقع محط تدقيق من قبل السلطات الأمنية، وأيضا تحت مراقبة من قبل وسائل الإعلام.

ويجد الاهتمام المتزايد بطريقة استخدام كل حزب مواقع التواصل تفسيره في تعرض المملكة المتحدة لعمليات تلاعب وتضليل للناخبين خلال الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، وأيضا لأنها كانت مسرحا لأكبر عملية استغلال سياسي للمعطيات الشخصية لمستخدمي موقع فيسبوك بطلتها شركة "كامبريدج أناليتيكا" التي كانت تتخذ من لندن مقرا لها.

وتتفق الكثير من التحليلات على وصف الانتخابات البريطانية المزمع إجراؤها يوم 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل بالمصيرية، لأنها ستحدد مستقبل البلاد والاتحاد الأوروبي، مما يرفع استنفار كل الأجهزة الأمنية والرقابية منعا لأي توجيه للناخبين عبر مواقع التواصل التي يظهر أنها رضخت لضغوط الحكومة مع إتاحة موقع فيسبوك إمكانية التعرف على المنشورات السياسية المدفوعة الأجر، والتعرف على الجهة صانعة المحتوى، وأيضا الفئة المستهدفة.

ويظهر من خلال تتبع المعطيات في فيسبوك أن الموقف من "البريكست" هو العامل المحدد لاختيار الفئة المستهدفة، حيث يوجه حزب "بريكست" المناصر لفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي رسائله إلى الفئة العمرية التي تفوق 45 سنة، وهي التي صوتت لصالح الخروج، في حين يركز حزب العمال على الشباب الذين يرون أن الحل هو تغيير اللون السياسي للحكومة البريطانية.

ورغم كل الإجراءات التي اتخذتها مواقع التواصل للحد من نشر الأخبار الزائفة، وما تقوم به الأجهزة المخابراتية لمحاربة المجموعات السرية خصوصا الحاملة لأفكار اليمين المتطرف فإن القلق لا يزال قائما من وقوع الناخب ضحية للاستغلال وتبني مواقف تدخل البلاد في متاهات جديدة. 

مقر شركة "كامبريدج أناليتيكا" في لندن (غيتي)

سلاح الأخبار الكاذبة
لا يستغرب أستاذ الأمن المعلوماتي في جامعة شرق لندن أمير نميرات من حالة الاستنفار الأمني والإعلامي تحسبا لسوء استعمال مواقع التواصل في الانتخابات "فالأمر مقلق وبلغ درجة خطيرة تهدد استقرار البلاد من خلال التلاعب بالمزاج العام وبث حالة من الغضب وعدم الرضا التي قد تعبر عن نفسها بالعنف والكراهية".

ويرى الخبير في الحروب الإلكترونية أن أهم مدخل لتوجيه الرأي العام هو الأخبار الزائفة، مفسرا طريقة عمل المجموعات التي تبث مثل هذه الأخبار، ففي البداية تنشئ حسابات مزيفة وتنشر عبرها أخبارا غير صحيحة، وبعدها ترصد الأشخاص الذي تفاعلوا معها ليتم ضمهم إلى قاعدة بيانات يتم إغراقها بكم هائل من الأخبار الكاذبة حتى يتحولوا إلى منصة لنشر هذه الأخبار.

وللتدليل على خطورة الأخبار الزائفة، يضرب النميرات مثالا بما حدث في الانتخابات الأميركية الأخيرة، فكان هناك 80 ألف حساب مزيف تمكنت من التأثير في رأي 80 مليون ناخب بشكل مباشر و120 مليون ناخب بطريقة غير مباشرة، ليخلص إلى أن هذه الحسابات الوهمية قادرة على قلب كل الموازين الانتخابية.

ولا تنحصر خطورة الحسابات الوهمية في نشر الأخبار الزائفة، فاليمين المتطرف يفضل هذا الأسلوب من أجل نشر معلومات وتعليقات ضد الإسلام والمسلمين، وهذه الحسابات يصعب تعقب أصحابها لأنها تعتمد على السرية.

ويعبر النميرات عن تشاؤمه من قدرة الأجهزة الأمنية والتشريعية على مكافحة الظاهرة، حتى وظفت شركة فيسبوك ثلاثة آلاف شخص لتتبع الأخبار الزائفة وحذفها، ومع ذلك ما زال الأمر يحتاج لبذل المزيد من الجهود.

شحادات: الناخب يتقبل الرسائل المنشورة بمواقع التواصل لاعتقاده أنها صادرة عن أشخاص عاديين (الجزيرة)

تشريعات صارمة
ويلقي الاستشاري في الإعلام الرقمي بسام شحادات باللوم على المشرعين في الدول الغربية "فهؤلاء يعانون من قلة إدراك آليات عمل مواقع التواصل، وبعضهم بالنظر لأعمارهم المتقدمة لا يواكبون أحدث التقنيات المعتمدة لانتهاك خصوصية المستخدمين".

ويشدد شحادات على دور السلطات في سن تشريعات أكثر صرامة لردع الشركات التي تحاول استغلال المعطيات الشخصية سياسيا، ويقول إن "على المشرعين في بريطانيا مسؤولية كبرى لأنهم شاهدوا كيف ساهمت الأخبار الزائفة في ترجيح كفة المؤيدين للبريكست".

ويلجأ إلى التحليل النفسي لإظهار حجم التأثير الذي تمارسه مواقع التواصل على خيارات الناخب، فالأخير "بات ينظر بعين الشك للرسائل السياسية في وسائل الإعلام التقليدية، بينما يتقبل أكثر الرسائل المنشورة في مواقع التواصل معتقدا أنها صادرة عن أشخاص عاديين".

ويستبعد شحادات أن تختفي الشركات العاملة في مجال جمع المعطيات الشخصية لاستغلالها لأغراض سياسية أو تجارية، ويتوقع أن تطور طرق عملها فلديها الكثير من الوسائل الحديثة لنشر المحتوى الذي تريد وضمان وصوله للفئة المستهدفة، مما يجعلها خطيرة على الأنظمة الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة