مراسلة لوفيغارو: في الأسابيع الأخيرة للأنظمة الشيوعية "شاهدت نهاية عالم"

جزء من جدار برلين (غيتي)
جزء من جدار برلين (غيتي)

بمناسبة مرور ثلاثين عاما على سقوط جدار برلين تروي لور ماندفيل الصحفية في لوفيغارو الفرنسية ما شاهدته من ثوران وتحرك من أجل التحرر أثناء رحلتها عام 1989 من براغ إلى موسكو عبر بودابست حين كانت تعد تقريرها الأول من الخارج.

وتتذكر الصحفية تقريرها الأول من الخارج حين كانت تشاهد نهاية عالم بأكمله، فقد رأت دهشة الطلاب التشيكيين الذين تجمعوا حول سفارة ألمانيا الاتحادية في براغ في أوائل أكتوبر/تشرين الأول 1989، لمشاهدة آلاف الألمان الشرقيين يتوافدون -بين ليلة وضحاها- لتحقيق حلمهم بالانضمام إلى الغرب.

ولدى وصولهم إلى براغ كان الألمان الشرقيون يلقون بنقود بلادهم ومفاتيحهم، ويتخلون عما تبقى لهم، وكلهم ذاهلون، في مزيج من النشوة والأمل والإرهاق، لا يفكرون في غير الحافلة والقطار وألمانيا الغربية، ويقول قائلهم "لقد سئمنا من انتظار أن يصبح المستقبل أفضل".

أما في براغ فكانت الشيوعية التشيكية واحدة من الأصعب في المعسكر الاشتراكي منذ ربيع براغ عام 1968، كما أنها لم تظهر عليها علامات الضعف، حيث ظلت الشرطة السياسية في كل مكان وبلا رحمة.

قمع وحشي
غير أن الطالب ميلوس الذي يعمل مترجما يقول "نعتقد جميعا أن الأمور سوف تتغير، البولنديون وغورباتشوف يثبتون لنا ذلك، لكن متى، بعد 15 سنة أو خمسين سنة؟" إلا أنه بعد شهر ونصف شهر انتهى كل شيء عندما توافد الطلاب التشيكيون الغاضبون من القمع الوحشي إلى مظاهرة سلمية في ميدان وينسيسلاس، وطويت صفحة من تاريخ البلاد.

وتقول الكاتبة إنها في هذه الأثناء ذهبت إلى بودابست لتشاهد نهاية جمهورية المجر الشعبية وإعلان الجمهورية الهنغارية الثالثة، مستعرضة ليلة 23 أكتوبر/تشرين الأول 1989 حين احتشد مئات الآلاف أمام البرلمان وغنوا النشيد الوطني وثقبوا الأعلام الشيوعية وتحدثوا عن القمع الذي عانوا منه وعن المستقبل الوردي الذي ينتظرهم وهم يبكون من التأثر والفرح.

وتقول الكاتبة إنها ذهبت إلى موسكو بعد خمسة أيام من سقوط جدار برلين، لحضور مؤتمر للجيش الأحمر عن "الفكر الجديد والسياسة العسكرية"، وذلك بعد موافقة رئيس قسم السياسة الخارجية في لوفيغارو الذي شبهته بجنرال يحرك جنوده، ويبعث الصحفيين إلى جبهات الثورات التي اندلعت مثل الألعاب النارية.

وخلال ثلاثة أيام "عشت داخل مؤسسة محاطة بكثير من الغموض بالنسبة للغربيين، وشاهدت حوالي 1500 ضابط يناقشون كيف ينبغي للجيش أن يأخذ بعين الاعتبار التغييرات الجديدة (البرسترويكا والغلاسنوست) وهم يتحدثون عن البيت الأوروبي المشترك ونزع السلاح".

رغبة بالانفتاح
وتقول الكاتبة إنه من الصعب بعد خمسة أيام من سقوط جدار برلين أن يتصور المرء ما يدور وكأن موسكو قد فهمت تماما معنى ما يحدث وسط موجة لا تقاوم ورغبة قوية في الانفتاح والتواصل والتغيير تشعر بأن ثورة بدأت دون سابق إنذار، مستفيدة من مرسوم الإصلاح الصادر من الأعلى.

وأثناء سردها، تعرج الكاتب على بعض مظاهر التحرر، كإنشاء الاتحادات ونقد الجيش والدعوة إلى إصلاحه، بل والإفصاح عن أعداد من القتلى في ظروف لم يسمع عنها، وعن حالة الرواتب المزرية والجنرالات الفاسدين.

ومن موسكو، تنتقل الكاتبة إلى بوخارست حيث ذهبت لحضور المؤتمر الـ14 للحزب الشيوعي، وهي تتذكر امرأة رومانية كانت إلى جانبها على متن الطائرة تحدثت لها عن رعب النظام والخوف الموجود في كل مكان والدعاية الشيوعية الرهيبة التي تجعل نيكولاي تشاوشيسكو رجلا عظيما.

وأشارت المراسلة إلى أن التفتيش في المطار كان فظيعا، وأن المدينة كانت غارقة في الظلام لعدم وجود كهرباء عندما وصلت إلى بهو فندق إنتركونتيننتال الذي يقيم فيه جميع الأجانب، والذي يحيط به العشرات من رجال الشرطة الأمنية الرومانية "سكريتات".

خطاب تشاوشيسكو
وفي اليوم التالي في مؤتمر الحزب -تقول الكاتبة- كانت قائمة الاحتفالات هائلة تشمل أربع ساعات يخطب فيها "الرجل العظيم تشاوشيسكو"، داعيا إلى الدفاع عن الاشتراكية الرومانية والتصفيق مستمر، حتى أن الصحفية تتساءل: هل سيقبض على أي شخص لا يصفق؟

وبدا للمراسلة أن اختلاط تشاوشيسكو وزوجته إيلينا بالعمال كان في جو سيئ للغاية، حيث يكاد "البروليتاريون النموذجيون" الذين اختيروا للمسيرة أن يعجزوا عن الابتسام.

وختمت المراسلة بالتساؤل: هل سمعوا أن الناس من حولهم في البلدان المجاورة قد بدؤوا في المطالبة بحقوقهم؟ وبدا لها أن بوخارست أصبحت سجنا مفتوحا بعد التحرر الذي ساد في موسكو وبراغ وبودابست ووارسو.

المصدر : الجزيرة,لوفيغارو