بتهم منها معاداة السامية.. حزب العمال البريطاني في عين العاصفة

جيرمي كوربن بعد مخاطبته تجمعا انتخابيا في هارلو (رويترز)
جيرمي كوربن بعد مخاطبته تجمعا انتخابيا في هارلو (رويترز)

لندن-الجزيرة نت

كلما اقترب موعد الانتخابات البريطانية المزمع إجراؤها يوم 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل، ارتفعت حرارة الحملة الانتخابية بمحاولة كل حزب الضرب على الوتر الذي يراه موجعا لخصمه ومنافسه الأقرب. هذا ما يقوم به بعض خصوم حزب العمال البريطاني، حيث وجد الحزب نفسه مجددا في قلب حملة إعلامية تحاول إلصاق تهمة معاداة السامية بالحزب وزعيمه جيرمي كوربن.

وصوّت البرلمان البريطاني لصالح إجراء انتخابات عامة مبكرة يوم 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بناء على مذكرة من رئيس الوزراء بوريس جونسون الذي يأمل أن تتيح له الانتخابات استعادة الأكثرية وتنفيذ وعده بإخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي. وقال حزب العمال إنه قبِل خوض الانتخابات بعد تلقيه تطمينات قادة الاتحاد الأوروبي بأن بريطانيا لن تخرج من الاتحاد بدون اتفاق.

وشهدت الأيام الأولى للحملة الانتخابية فتح عدد من الملفات القديمة والجديدة ترتبط كلها باتهام قادة في حزب العمال بإطلاق تصريحات معادية للسامية، بداية بإعلان النائبة البرلمانية عن الحزب لويز إلمان عن استقالتها منه تحت مبرر الخوف من مواقف كوربن "وتسامحه مع المواقف المعادية للسامية".

النائبة التي تعد من أقدم البرلمانيين في البلاد وهي من أشهر ممثلي الطائفة اليهودية في مجلس العموم، قالت إن استقالتها تأتي في هذا الوقت بالذات لأنها باتت ترى أن كوربن أقرب من أي وقت مضى للوصول إلى رئاسة الوزراء، وهذا أمر "مخيف" بالنسبة لها.

ورغم فشل كل محاولات إثبات تبني حزب العمال أو زعامته لمواقف معادية للسامية، فإن الحملة لم تتوقف بل ازدادت شراسة، وآخر فصولها استغلال تصريح لمرشح الحزب جيديون بول عندما شبه تشدد مجلس المنطقة التي ينتمي إليها في الإنفاق بـ"شيلوك" كإحالة على شخصية التاجر اليهودي البخيل في رواية "تاجر البندقية" لشكسبير، ليضطر السياسي البريطاني إلى الاعتذار عنها.

تعقّبُ تصريحات ومواقف قيادة حزب العمال طالت القيادي دانييل كاردن -وهو أحد كبار النواب عن الحزب- بعدما نشرت وسائل إعلام بريطانية وأميركية أخبارا تفيد بتورطه في إطلاق تصريحات ساخرة من اليهود خلال حفلة حضرها عدد من أعضاء الحزب، وهو ما ينفيه كاردن المعروف بأنه من المقربين جدا لكوربن ويشغل منصب وزير التنمية الدولية في حكومة الظل.

ويظهر أن المحركين للحملة الإعلامية في مواجهة حزب العمال يستهدفون الشخصيات المقربة من زعيم الحزب جيرمي كوربن، فالرجل يعتبر أكبر مساند للقضية الفلسطينية في صفوف الساسة البريطانيين، وسبق أن قطع وعدا بالاعتراف بدولة فلسطين حال وصوله إلى رئاسة الحكومة وتغيير طريقة التعامل مع هذا الملف في مجلس الأمن.

ولا تكاد تخلو مظاهرة مساندة للقضية الفلسطينية في بريطانيا من وجود كوربن، وبلغ دعم حزب العمال للقضية مداه عندما تم رفع العلم الفلسطيني في مؤتمره العام لسنة 2018 كرد على الاتهامات الموجهة للحزب بأنه يضم في صفوفه وبين قادته من هم معادون للسامية.

ثمن الدفاع عن فلسطين
وترى عضوة حزب العمال منى إسحاق أن الحملة التي يتعرض لها الحزب والتركيز على موضوع معاداة السامية، تستهدف بالدرجة الأولى زعيمه كوربن "وكلما اقترب من رئاسة الحكومة زادت الهجمة عليه شراسة"، وكشفت أن التوجيهات من قيادة الحزب هي عدم التفاعل مع هذه الحملات وعدم الرد عليها.

وتفسر منى هذا التوجيه بكون "خطة خصوم الحزب تقوم على إثارة انتباه الناخب البريطاني لهذه النقطة فقط، واستنزاف قيادة العمال في عملية رد على هذه الاتهامات عوض خوض الحملة الانتخابية"، موجهة أصابع الاتهام إلى من تسميها لوبيات تمتلك بعض وسائل الإعلام "ويزعجها موقف الحزب من القضية الفلسطينية".

وأكثر ما يزعج هذه اللوبيات حسب منى التي سبق لها أن ترشحت باسم الحزب في الانتخابات البلدية، "هو الموقف الواضح لجيرمي كوربن من الملف الفلسطيني، وهم يعلمون أنه حال وصوله إلى منصب رئيس الوزراء سيكون هناك تغيير جذري في موقف البلاد من هذا الملف".

وتنفي منى تهم التحيز والعنصرية عن قيادة الحزب، مشددة أن "القيادة تشتغل وفق القوانين البريطانية، ولكن نحن مع الحق وندافع عن العدالة في جميع القضايا الإنسانية". هذا الالتزام بالقوانين هو الذي جعل خصوم كوربن عاجزين عن إثبات تهمة معاداة السامية سواء بالنسبة للحزب أو لزعيمه، حسب تحليل نفس المتحدثة.

ولا تخفي السياسية البريطانية من أصول عربية تخوف الحزب من تأثير مثل هذه الحملات على نسبة التصويت لصالحه في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك فهي متفائلة بشأن قدرة حزبها على تعزيز حظوظه لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة، وتتوقع "أن الحكومة المقبلة ستكون ائتلافية لأنه لن يوجد حزب قادر على ضمان الأغلبية المطلقة بالنظر إلى حجم الانقسام في البلاد".

أعلام فلسطين مرفوعة أثناء مؤتمر لحزب العمال البريطاني في ليفربول (رويترز-أرشيف)

الرهان على الجاليات العربية
"هي حملة لتخويف كل مناصر للقضية الفلسطينية".. هكذا يصف عضو المجموعة العربية في حزب العمال أكرم سلهاب الحملة التي يتعرض لها حزبه خلال الفترة الأخيرة، مستندا في وصفه إلى متابعة ما يصدر عن الكثير من مراكز الدراسات البريطانية والغربية التي تقول بوجود إستراتيجية للتركيز على ملف معاداة السامية في حزب العمال، والرفع من الضغط على كل من يغرد خارج سرب المساندين لأطروحة الاحتلال.

ويستشعر الشاب ذو الأصول الفلسطينية حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجاليات العربية في بريطانيا لدعم حزب العمال وزعيمه جيرمي كوربن "بالنظر إلى مواقفه التاريخية من الحرب على العراق ومن الملف الفلسطيني منذ عشرين سنة، ولم يتغير أبدا، بل ظل وفيا لمبادئه".

ويؤكد سلهاب أن حزب العمال يحظى بدعم كبير من العرب، "وفي كل البلديات التي تعرف كثافة عربية فإنها تكون من نصيب العمال"، ومع ذلك يرى أنه ما زال هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به من أجل إقناع جزء من الجاليات العربية والمسلمة "التي ما زالت متأثرة بموقف الحزب من غزو العراق، ونحن نعمل على إقناعهم بأن العمال تغيّر جذريا منذ وصول كوربن، وهذا الجزء قادر على منح الحزب كتلة ناخبة مهمة".

المصدر : الجزيرة