احتلتها إسرائيل واستأجرتها من الأردن ربع قرن.. هذه قصة الباقورة والغمر

أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الأحد فرض سيادة الأردن الكاملة على أراضي منطقتي الباقورة والغمر، اللتين تقعان على طول الحدود الأردنية الإسرائيلية، واللتين استأجرتهما إسرائيل لمدة 25 سنة، بعد توقيعها اتفاقية وادي عربة للسلام مع الأردن عام 1994.

وقال الملك الأردني "أعلن اليوم انتهاء العمل بالملحقين الخاصين بمنطقتي الغمر والباقورة في اتفاقية السلام، وفرض سيادتنا الكاملة على كل شبر فيها"، وذلك في خطاب العرش الذي ألقاه بمناسبة افتتاح أعمال الدورة العادية لمجلس الأمة (البرلمان).

المساحة والموقع
تبلغ مساحة منطقة الباقورة ستة آلاف دونم (الدونم يعادل ألف متر مربع) وتقع شرق نهر الأردن في الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة إربد، وفي عام 1950 احتلت إسرائيل 1390 دونما منها، وفي مفاوضات اتفاقية السلام (وادي عربة عام 1994) زعمت أن 830 دونما منها تعد أملاكا شخصية لإسرائيليين.

اتفاقية وادي عربة نصت على استعادة الأردن 850 دونما من أراضي الباقورة، والباقي اعتبرتها أرضا مملوكة لإسرائيليين، لكنها تقع تحت السيادة الأردنية.

وكانت سلطات الانتداب البريطاني باعت منطقة الباقورة لمستثمر صهيوني اسمه بنحاس روتنبرغ بهدف توليد الطاقة الكهربائية في إطار مشروع لشركة كهرباء فلسطين عُرف باسم "مشروع روتنبرغ"، فاكتشف المستثمر أنه لم يكن بحاجة إلى كل هذه المساحة، وباع جزءا منها للوكالة اليهودية، التي ملّكتها بدورها لمزارعين إسرائيليين، وأصبحت بموجب ذلك ملكيات فردية.

وفي عام 1948 توقف مشروع روتنبرغ، وبعد ذلك بسنتين احتلت إسرائيل أراضي الباقورة، وظلت تتصرف فيها وتديرها إلى حين توقيع اتفاقية وادي عربة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1994.

أما منطقة الغمر فتقع في صحراء وادي عربة بمحافظة العقبة (جنوبي الأردن)، وتبعد عن العاصمة عمان نحو 168 كيلومترا، وهي أرض مملوكة لخزينة المملكة الأردنية الهاشمية، وتبلغ مساحتها 4235 دونما (نحو أربعة كيلومترات مربعة)، وتمتد على طول خمسة كيلومترات باتجاه الحدود.

تضم المنطقة أراضي زراعية، واحتلتها إسرائيل عقب حرب 1967، وفي مفاوضات وادي عربة دفع الطرف الإسرائيلي بكونها مملوكة لمزارعين إسرائيليين مستوطنين، وطالبت بأن يطبق عليها نظام خاص مثل منطقة الباقورة.

وضعهما في اتفاقية السلام
نص الملحقان 1/ب و1/ج التابعان لاتفاقية وادي عربة على "إخضاع منطقتي الباقورة والغمر لنظام خاص على أساس مؤقت"، حيث وضعتا تحت السيادة الأردنية، لكنهما لا تخضعان لقوانين الجمارك الأردنية، إذ لا يمكن فرض ضرائب أو رسوم على الأراضي والأنشطة الزراعية التي تمارس فيها.

كما لا يمكن -حسب الملحقين المذكورين- تطبيق تشريعات جمركية أو تشريعات السفر على الإسرائيليين الذين يدخلون إليها أو ضيوفهم وعمالهم، ويعود للسلطات الإسرائيلية التحقيق في الجرائم والمخالفات القانونية التي يرتكبها هؤلاء الأشخاص أو ضيوفهم أو عمالهم وتطبق عليهم القوانين الإسرائيلية.

وينص الملحقان في البند السادس منهما على تأجير المنطقتين لمدة 25 سنة من تاريخ دخول معاهدة السلام حيز التنفيذ، وجاء فيهما أيضا أنه يجدد العمل بهما تلقائيا لفترات مماثلة ما لم يُخطر أحد الطرفين الطرف الآخر بنيته في إنهاء العمل بالملحقين المذكورين قبل سنة من انتهائه. "وفي هذه الحالة يدخل الطرفان في مشاورات بناء على طلب أي منهما".

وتعهد الأردن كذلك في الملحقين بأن يتخذ الإجراءات الضرورية لحماية أي شخص يدخل هاتين المنطقتين والحيلولة "دون مضايقته أو إيذائه، وأن يسمح بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي، بالحد الأدنى من الشكليات، إلى المنطقة، لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرا بمستعملي الأراضي أو ضيوفهم أو مستخدميهم".

وتعهدت إسرائيل في المقابل بعدم القيام أو السماح بقيام أية أنشطة في المنطقة من شأنها الإضرار بأمن الأردن أو سلامته، وبعدم السماح لأي شخص يدخل المنطقتين (ما عدا ضباط الشرطة باللباس الرسمي) بحمل أية أسلحة من أي نوع ما لم يرخص له بذلك من قبل السلطات الأردنية المختصة، وبعدم السماح بإلقاء الفضلات من خارج المنطقة إلى داخلها.

ظروف الإنهاء
الإعلان عن نية الأردن إنهاء العمل بالملحقين المذكورين ليس وليد اليوم، بل سبق أن أعلن ذلك العاهل الأردني في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2018، حيث كتب آنذاك في تغريدة على تويتر "لطالما كانت الباقورة والغمر على رأس أولوياتنا، وقرارنا هو إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام؛ انطلاقا من حرصنا على اتخاذ كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين".

وفور ذلك الإعلان، أخطرت وزارة الخارجية الأردنية نظيرتها الإسرائيلية في رسالتين منفصلتين بنية المملكة إنهاء الوضع الخاص بالباقورة والغمر، ووقف العمل بالملحقين الخاصين بهما.

هذا الإعلان الرسمي جاء في وقت كانت فيه العلاقات الإسرائيلية الأردنية تشهد برودا، بعد سلسة من الهزات التي تعرضت لها، كما تزامن مع حراك شعبي قوي يطالب باستعادة المنطقتين، ووقع ثمانون نائبا أردنيا على مذكرة ربطت استمرار منح الحكومة الأردنية الثقة بإلغاء عقدي التأجير الذين انتهيا في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وقبل ذلك، في صيف 2017، لقي أردنيان مصرعهما وجرح إسرائيلي في حادث إطلاق نار داخل السفارة الإسرائيلية في عمان، وأكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية الحدث بالقول إن حارسا أمنيا في سفارتها في عَمّان قتل أردنيا بالرصاص. ووتر هذا الحادث الأجواء بين الطرفين عدة أسابيع.

وفي مارس/آذار 2017، أفرج الأردن عن الجندي أحمد الدقامسة، الذي كان يعمل في حرس الحدود وأسقط العشرات من الإسرائيليين بين قتيل وجريح عام 1997 بمنطقة الباقورة، حيث أطلق النار على مجموعة من الفتيات الإسرائيليات بسبب استهزائهن به أثناء الصلاة.

وأحيا إطلاق سراحه مطالب شعبية متزايدة باسترجاع الباقورة والغمر، وإلغاء اتفاقية وادي عربة، وخرجت آنذاك مظاهرات طالبت بذلك.

يضاف إلى ذلك كله، أن العلاقات الأردنية الإسرائيلية شهدت فتورا كبيرا في السنتين الماضيتين؛ بسبب رفض إسرائيل مقترح حل الدولتين، واستمرار سياسة الاستيطان والاقتحامات المتكررة التي يعتدي خلالها المستوطنون على المقدسات الإسلامية بالقدس، وكذلك بسبب رفض الأردن ضغوطا دولية وإقليمية للموافقة على خطة السلام الأميركية للشرق الأوسط، التي تعرف إعلاميا "بصفقة القرن".

المصدر : الجزيرة + وكالات

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة