هل يؤثر موعد الانتخابات المبكرة على مزاج البريطانيين؟

استطلاعات الرأي تشير إلى أن ما بين 36 و40% يؤيدون المحافظين خلال الانتخابات المقبلة (غيتي)
استطلاعات الرأي تشير إلى أن ما بين 36 و40% يؤيدون المحافظين خلال الانتخابات المقبلة (غيتي)

عثمان بوشيخي-لندن

غالبا ما كانت الانتخابات العامة في بريطانيا تُجرى في مايو/أيار أو يونيو/حزيران، لذا ستكون الانتخابات القادمة أول عملية اقتراع منذ عام 1923 تُنظَّم في شهر يُعرف في هذه الجُزر ببرده القارس ولياليه الطويلة، كما أنها ثالث مرة تُجرى فيها منذ عام 2015 فيما يُفترض أن يكون تنظيمها كل خمس سنوات.

وبما أن الانتخابات حدث لوجستي لا يُستهان به فإن إجراءها في هذا التوقيت وبهذه السرعة قد ولَّد قلقا حقيقياً لدى المشرفين عليها، حيث يجب أن تُوزَّع ملايين البطاقات الانتخابية، كما ينبغي أن تُجهز مراكز البريد لاستقبال الأصوات وإرسالها وأن تُحجز الآلاف من القاعات الدراسية والكنائس والمراكز الاجتماعية كي تُستخدم مراكز اقتراع، بيد أن هذه الأماكن قد تكون محجوزة سلفا لحفلات أعياد الميلاد.

كما أن الأيام الشتوية القصيرة تُعد تحديا حقيقيا لمنظمي الانتخابات وللقائمين على الحملات الدعائية ممن تتركز مهامهم في طرق الأبواب والتعريف ببرامج أحزابهم.

وقد تُسهِم برودة الطقس في ثني كثيرين عن التوجه لمراكز الاقتراع، رغم أن باحثين من جامعة أوكسفورد يؤكدون انعدام أي صلة بين سوء الطقس والامتناع عن التصويت.

جونسون يعول على الانتخابات المقبلة لضمان تمرير مخططاته بشأن البريكست (رويترز)

فوضى عارمة
ويرى الخبير بالشؤون البريطانية مصطفى البازركان أنه من الصعوبة بمكان الحصول على جواب جازم بخصوص مدى حسم تشكيلة البرلمان المقبل لملف البريكست الشائك، لا سيما أنه لا توجد كتلة قوية داخل مجلس العموم لدعم فكرة الطلاق أو البقاء.

كما أن المشهد السياسي سادته فوضى عارمة فيما يخص الولاءات الحزبية بعد تحول بعض النواب من اليمين للوسط، وصعود بعض الأحزاب الصغيرة كحزبي الديمقراطيين الأحرار والبريكست.

قبل أربع سنوات، عندما دعي للانتخابات كان هاجس الناخبين منصبا على معالجة ملف الهجرة وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، لكن الهاجس الأبرز هذه المرة بات في كيفية حسم زيجة البلد المثيرة للجدل مع الاتحاد الأوربي.

يتفق البازركان مع هذا الطرح مؤكدا وجود حالة استقطاب شديدة تطغى على أجواء الانتخابات المرتقبة، خاصة مع تغير أولويات الناخبين الذين كانوا يتحدثون عن خطر الهجرة وباتوا الآن مشغولي البال بملفات أخرى تخص الخدمات الاجتماعية، وهي النقطة التي قد يستغلها حزب العمال لصالحه.

ويرى صادق الركابي مدير المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن أن الناخب سيتجه في ديسمبر/كانون الأول المقبل لمراكز الاقتراع، وتفكيره منصب بالأساس على تعزيز فرص العمل وتأمين مستقبل الاستثمار في بلاده وخفض الأسعار.

ويعتقد أن أي تغيير في تشكيلة البرلمان سيساعد حتما في كسر جمود ملف البريكست، لذلك لابد من وجود أغلبية برلمانية لتشكيل جبهة موحدة تحسم الملف دون العودة مجددا لتكرار السيناريوهات السابقة.

أما محمد أبو العينين الصحفي المتخصص بالشؤون البريطانية فيرى أن التوقعات تذهب باتجاه برلمان معلق لا تكون الغلبة فيه لأي حزب، ويقول إن هناك ضبابية في سياسات بعض الأحزاب لاسيما التقليدية منها في الوقت الذي يمتلك فيه البريطانيون وضوحا في الرؤية.

أما النائب البارز بحزب العمال جون ماكدونيل فيرى أن هذه الانتخابات ستتعدى فكرة البريكست ليُقيِّم خلالها الناخب عمل المحافظين طوال السنوات التسع التي مضت، سواء فيما يتعلق بسياسات التقشف أو تدبير الخدمات العامة.

أما وزير الصحة الحالي مات هانكوك فيقول إن إجراء الانتخابات رغم أنه ليس أمرا محبذا لدى كثيرين فإنه يظل السبيل الأوحد لدفع البلاد إلى الأمام.

ويراهن رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون على هذه الانتخابات لزيادة أعداد مقاعد حزبه، وضمان تمرير مخططاته بشأن البريكست في مجلس عموم فقد فيه الغالبية وأصبح ذهابه إليه عنوانا لهزائم مُرَّة.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه أنه مستعد للقتال وخوض حملته الانتخابية، يصف زعيم حزب العمال جيرمي كوربن هذه الانتخابات بأنه "فرصة الجيل" لتغيير البلاد.

أما زعيمة الحزب الوطني الأسكتلندي نيكولا ستيرجن فترى في عملية الاقتراع فرصة لإجراء استفتاء آخر حول الاستقلال، مؤكدة أن فوز حزبها سيمثل مطلبا لا لبس ولا نقاش فيه لإجراء استفتاء ثانٍ يقرر حق أسكتلندا في اختيار مستقبلها.

أما نواب حزب الديمقراطيين الأحرار فيرون أن زعيمتهم جو سوينسون لديها أجندة غنية ستطرحها في هذه الانتخابات، كما تشير بعض التقارير إلى رغبة الحزب في وقف عملية البريكست للتركيز على ملفات أخرى ذات أولوية قصوى كالصحة العامة.
 
وخلال الانتخابات المقبلة سيدعى 46 مليون ناخب لاختيار 650 نائبا، ومن حق كل من يبلغ 18 من عمره ويملك الجنسية أن يشارك في هذه العملية.

وغالبا ما يُقبل المسنون على التصويت أكثر من الشباب، إذ بلغت 59% نسبة من شاركوا بانتخابات عام 2017 لدى فئة الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 20-24 سنة، مقارنة بـ 77% ممن تتراوح أعمارهم بين 60-69 سنة.

ومنذ عام 1922 لم تُجرَ انتخابات إلا وفاز فيها أحد الحزبين، العمال أو المحافظون، ورغم أن كليهما كان الحزب الأكبر بانتخابات 2017 فإنهما لم يملكا ما يكفي من النواب لتشكيل حكومة ذات أغلبية، فاضطر المحافظون للتحالف مع الحزب الوحدوي الديمقراطي وتشكيل الحكومة برئاسة تيريزا ماي.

ويرى أبو العينين أن هذه الانتخابات أهم بكثير من انتخابات 2017، فهي تشبه استفتاء جديدا على البريكست، لا سيما أن المحافظين يدعمون الانفصال في حين يؤيد الديمقراطيون الأحرار خيار البقاء بوضوح.

ولذلك قد تُرجع هذه الانتخابات حزب العمال إلى السلطة بسياسته الاشتراكية الداعمة لقطاع الصحة وباقي الخدمات الاجتماعية، أو قد تكرس بقاء المحافظين بسياساتهم القريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤيدة لنزول بريطاني وازن بالخليج اقتصاديا أو عسكريا.

كوربن اعتبر الانتخابات المقبلة بمثابة "فرصة الجيل" لتغيير البلاد (رويترز)
استطلاعات رأي
في آخر استطلاع للرأي أجرته شركة Opinium تُشير الأرقام إلى أن نسبة تأييد الناخبين المفترضين للمحافظين تصل إلى 40% - وهي أعلى نسبة بالاستطلاعات منذ أغسطس/آب الماضي- كما حصلوا على نسبة تصل إلى 36% في استطلاع آخر.

وهذا ما يدفع المراقبين للجزم بأن الأسابيع القليلة الماضية قد شهدت بالفعل تعزيزا مطَّردا لمكانة المحافظين في قلوب البريطانيين وعقولهم.

وبالموازاة مع هذا، تراجع الديمقراطيون الأحرار قليلاً ليستقروا على نسبة 18% التي احتلوها طوال فصل الخريف بينما واصل حزب البريكست بقيادة اليميني المتشدد نايجل فاراج انهياره.

أما تصنيف حزب العمال فبقي ثابتا، لكن بعد تجربة البريكست وخذلان استطلاعات الرأي للمعوِّلين عليها أصبح من المهم التعامل مع أرقام الاستطلاعات بحذر شديد، ولا سيما أن المؤسسات القائمة على إجراء الاستطلاع تختلف في نتائجها.

ويقول المهتمون بما يجري في ويستمنستر إنه لا يمكن التنبؤ بنتيجة هذه الانتخابات بالذات لأن البريكست قد غير قواعد اللعبة، ولم يعد بإمكان الأحزاب أن تعتمد على ولاءاتها الكلاسيكية، بل أصبحت مجبرةً على إعادة النظر في حساباتها.

المصدر : الجزيرة