هواجس الأمن تؤرق إسرائيل.. هل يستمر "السلام البارد" مع الأردن؟

غور الأردن تعتبره إسرائيل عمقا إستراتيجيا على الجبهة الشرقية (الجزيرة)
غور الأردن تعتبره إسرائيل عمقا إستراتيجيا على الجبهة الشرقية (الجزيرة)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

خلافا لسنوات سابقة اعتادت فيها إسرائيل الاحتفاء باتفاق السلام مع الأردن، حملت الذكرى 25 لاتفاق وادي عرابة في طياتها تداعيات سلسلة التوترات التي فجرت أزمة في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث تسعى الدوائر الأمنية في تل أبيب إلى احتوائها.

ولئن اعتادت إسرائيل الاحتفال سنويا بما تسميه "السلام البارد" مع الأردن، فقد وجد هذا العام رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بلاده في أزمة دبلوماسية مع عمّان، باعتقال سلطات الاحتلال مواطنين أردنيين إداريا هما عبد الرحمن مرعي وهبد اللبدي، الأمر الذي حال دون تمديد عقد الإيجار للمزارعين اليهود لأراضي الباقورة والغمر لمدة 25 عاما آخر.

وعلى وقع هذه التوترات، حذرت الأوساط الأمنية من تداعيات ملف اعتقال المواطنيْن الأردنيين على مستقبل السلام والعلاقات بين البلدين، خصوصا أن الملك عبد الله الثاني سبق أن هدد بطرد السفير الإسرائيلي في عمان عقب تصريحات نتنياهو تطلعه إلى ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، مثلما أفادت به صحيفة "هآرتس".

التعاون الأمني
وفي الذكرى 25 لاتفاقية وادي عرابة التي وقعت يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 1994، أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب تقدير موقف لنخبة من الباحثين السياسيين والأمنيين ولدبلوماسيين، أجمعوا من خلاله أن العلاقات بين تل أبيب وعمان تعتمد بالأساس على التعاون الأمني.



وشدد معهد الدراسات أن العلاقات الإسرائيلية الأردنية تستند أساسا إلى مستوى التعاون الأمني، ولكنها في نقطة سياسية منخفضة يمكن أن تقوض علاقات السلام والأمن.

ووفقا لتقدير الموقف وبغية احتواء الأزمة بين البلدين، فإن إسرائيل ملزمة بتكثيف عملها ونشاطها لمساعدة الأردن في التعامل مع مشاكله الاقتصادية ونقص الموارد، وفي الوقت نفسه التوقف عن تحدي الملك عبد الله الثاني في العمليات الإسرائيلية الأحادية الجانب على الساحة الفلسطينية والأماكن المقدسة بالقدس.

وتعد العلاقات الإسرائيلية-الأردنية من وجهة نظر طاقم المعهد ذات أهمية إستراتيجية لكلا الطرفين، حتى قبل توقيع اتفاق، لافتا إلى أن المصالح الأمنية المشتركة -رغم تغير النظام الإقليمي- في صلب العلاقة بين البلدين.

ويقدر معهد الدراسات أن من مصلحة إسرائيل الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع الأردن الذي يتمتع بأطول حدود مع إسرائيل وأكثرها استقرارا، مؤكدا أن أي تغيير في المملكة سيقوض الاستقرار الإقليمي ويؤثر سلبا على أمن إسرائيل.

‪المنطقة المشتركة عند وقف إطلاق النار على الحدود الأردنية السورية الإسرائيلية المؤدية لمنطقة غور الأردن‬  (الجزيرة)

تداعيات خطيرة
ونقل المراسل السياسي للقناة 13 الإسرائيلية باراك رافيد عن مصادر دبلوماسية إسرائيلية رفيعة المستوى أن الأردن رفض مقترحا إسرائيليا بإطلاق سراح المواطنين الأردنيين مرعي واللبدي اللذين تعتقلهما سلطات الاحتلال للشهر الثاني إداريا، وذلك مقابل أن تبدي عمان مرونة في المفاوضات وتجدد عقد الإيجار لأراضي الباقورة والغمر لمدة 25 عاما آخر.

ويعتقد المراسل السياسي أن تل أبيب التي تسعى لاحتواء التوتر والأزمة في العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، عقب تصريحات نتنياهو عن ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، والمساس بمكانة الأردن في الأماكن المقدسة بالقدس، ستنتدب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات لزيارة الملك عبد الله في قصره بعمّان لتخفيف حدة الأزمة بين البلدين.

وعقب الطرح الإسرائيلي بمقايضة إطلاق سراح مرعي واللبدي بالتوصل إلى حل وسط بشأن أراضي الباقورة والغمر، أوضح رافيد أن الجانب الأردني رفض العرض، وحذر الوفد الإسرائيلي من مواصلة هذا الطرح لأنه سيكون له تداعيات خطيرة على العلاقات ومستقبل اتفاق السلام بين البلدين.

التراجع المتواصل
وفي ظل توتر العلاقات بين تل أبيب وعمان، أبدى شمعون شيبتس -الذي يعتبر أحد أهم مهندسي اتفاقية السلام وادي عرابة، حيث شغل منصب مدير مكتب رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين- مخاوفه حيال التراجع المتواصل في العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وإسرائيل في عهد نتنياهو.

وأوضح شيبتس لصحيفة "معاريف" أن السلام مع الأردن له أبعاد إستراتيجية، إذ ساهم في الهدوء والاستقرار بالنسبة لإسرائيل على الجبهة الشرقية، متسائلا "تخيلوا سيناريو عدم وجود اتفاق سلام مع الأردن فيما تكون لعمان علاقات متينة مع العراق؟.. لكم التقدير كيف ستكون الأوضاع الأمنية على الجبهة الشرقية".

وعن أزمة مفاوضات تمديد عقد الإيجار لأراضي الباقورة والغمر، يعتقد شيبتس أنه لو كانت هناك اليوم علاقات أكثر "دفئا" مع الفلسطينيين، ولولا هذا الجمود في المفاوضات مع الفلسطينيين، لما كانت هناك مشكلة بين تل أبيب وعمان أصلا، وكان الملك عبد الله سيوافق بسهولة على التمديد لمدة 25 عاما إضافيا.

‪ما يسمى "جزيرة السلام" هي أراضي الباقورة في غور الأردن‬  (الجزيرة)

كواليس العلاقات
من جانبه، استعرض رئيس الموساد الأسبق إفرايم هليفي -الذي عين للمنصب عام 1998- العلاقات بين تل أبيب والقصر الملكي في عمّان قبل توقيع اتفاق السلام، لافتا إلى أنها كانت وطيدة ومن وراء الكواليس.

وقبل حرب الخليج الأولى عام 1991، نظم هليفي لقاء سريا بين الملك حسين ورئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير، حيث واصل في هذا الدور حين تولى رابين رئاسة الحكومة، وعبره كانت تنقل الرسائل بين تل أبيب وعمان التي سارعت بتوقيع الاتفاق بين البلدين.

وأوضح رئيس الموساد الأسبق أن إسرائيل نظرت للملك حسين كزعيم جدي وقوي، وللأردن كدولة ذات أهمية وحجم كبير. ولكونه حالة عازلة ودولة لها حدود مع العراق والسعودية وسوريا، كان الأردن بغاية الأهمية لجميع الدول وضمنها إسرائيل.



كما أوضح أن العلاقات مع الأردن كانت من وراء الكواليس، حتى قبل توقيع اتفاقية السلام بين البلدين، مؤكدا أن رابين وتحت غطاء من السرية وبإشراف جهاز الموساد، التقى الملك حسين مرات كثيرة.

وعن دور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في تدعيم ورعاية العلاقات مع الأردن بمعزل عن الدبلوماسية، "كان جهاز الموساد الجهة التي نظمت اجتماعات بين الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي"، حسب هليفي.

ففي مارس/آذار 1990 دعي هليفي إلى لندن لحضور اجتماع تقني مع أحد مساعدي الملك حسين، حيث كان منزله على بعد منزلين من السفارة الإسرائيلية، قائلا "جلسنا وتحدثنا، وفجأة فتح الباب ودخل الملك حسين.. جلس وبدأ في الكلام، وبعد دقائق اتضح أن المساعد غادر وتركنا وشأننا".

واستذكر فحوى المحادثات التي جمعته بالملك، قائلا "لقد كانت محادثة حول قضايا جوهرية.. لقد كانت محادثة شملت العالم بأسره، ومنذ تلك اللحظة أصبحتُ مسؤول الاتصال مع الأردن".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

استدعى الأردن سفيره في إسرائيل للتشاور، على خلفية عدم إفراج سلطات الاحتلال عن المواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، واستمرار اعتقالهما غير القانوني وغير الإنساني منذ أشهر ودون اتهامات.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة