ما سر صعود قوى جديدة واندثار أخرى بتشريعيات تونس؟

خميس بن بريك-تونس

يرى مراقبون أن هناك أسبابا عدة تضافرت لصعود قوى جديدة متناقضة في الانتخابات التشريعية مثل حزب "قلب تونس" و"التيار الديمقراطي" و"ائتلاف الكرامة" مقابل اندثار قوى أخرى على غرار حركة "نداء تونس" واليسار الراديكالي.

وفي حصيلة أولية لفرز الأصوات جاءت حركة النهضة الإسلامية في المركز الأول (57 مقعدا بالبرلمان من جملة 217)، يليها قلب تونس (41 مقعدا)، وحزب التيار الديمقراطي (21)، وائتلاف الكرامة (20)، وحزب الدستور الحر (18)، وحركة الشعب (16).

وقلب تونس هو حزب حديث أسسه منذ أربعة أشهر المرشح للانتخابات الرئاسية نبيل القروي الذي سجن على ذمة قضية غسيل أموال وتهرب ضريبي، ويملك القروي تلفزيون نسمة، وجمعية خيرية تحمل اسم ابنه المتوفى خليل.

حزب مستنسخ
وبشأن صعوده، يقول المحلل السياسي عبد السلام الزبيدي للجزيرة نت إن قلب تونس هو استنساخ جديد لحركة نداء تونس التي أسسها في 2012 الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي وفازت في انتخابات 2014 ثم شكلت ائتلافا حكوميا مع النهضة.

ويوضح الزبيدي أن القروي كان من أبرز مؤسسي حركة نداء تونس آنذاك، مضيفا أن استطلاعات الرأي بينت أن 45% من أنصار حركة نداء تونس صوتوا للمرشح نبيل القروي خلال الدور الأول للانتخابات الرئاسية التي أجريت قبل أقل من شهر.

ونجح قلب تونس -الذي وضعته مؤسسات سبر الآراء بطليعة مؤشرات نوايا التصويت منذ أسابيع- في الصعود للبرلمان المقبل بكتلة نيابية وازنة بفضل تشبيك البعد الاتصالي والإعلامي مع البعد الخيري الجمعياتي للحزب، حسب رأي الزبيدي.

ويفسر الزبيدي صعود قوى وتيارات سياسية مثل التيار الديمقراطي وحركة الشعب اللذين كان لكل واحد منهما ثلاثة نواب في البرلمان السابق بأدائهما الجيد في صف المعارضة واستماتتهما في محاربة الفساد المتفشي داخل منظومة الحكم ومؤسسات الدولة.

سلوى السماوي زوجة المرشح للدورة الثانية للانتخابات الرئاسية نبيل القروي أثناء إدلائها بصوتها في الانتخابات التشريعية التي أسفرت نتائجها عن صعود حزبها قلب تونس (الأوروبية)

قوى صاعدة
وبينما استفاد التيار الديمقراطي من التزامه السياسي بمحاربة منظومة الفساد نجحت حركة الشعب بفضل أدائها المماثل وإشعاعها بالجنوب الشرقي التونسي وتغلغل قادتها المنتمين إلى التيار القومي العروبي في نقابات تعليمية عدة وغيرها.

أما صعود "ائتلاف الكرامة" الذي يقوده المحامي سيف الدين المخلوف وحزب "الرحمة" المحافظ فيفسره الزبيدي بامتصاصه جزءا من خزان حركة النهضة الإسلامية التي تراجعت مقاعدها من 87 في 2011 إلى 69 في 2014 وإلى نحو 57 حاليا.

ويقول "تاريخيا، كان أنصار ائتلاف الكرامة يصوتون لحركة النهضة التي فقدت جزءا من خزانها بسبب تحالفها مع حركة نداء تونس التي يحسبها البعض تابعة للمنظومة القديمة، وأيضا بسبب إعلانها عن فصل العمل الدعوي عن السياسة".

وأرجع صعود الحزب الدستوري الحر سليل النظام الحاكم للرئيس الراحل زين العابدين بن علي إلى خطاب زعيمته المحامية عبير موسى المعادي للإسلاميين والثورة والدستور والتي استقطبت الأصوات المحتجة على الثورة بحجة تدهور الأوضاع.

لكن الزبيدي يشير إلى أن صعودها للمركز الأول لم يكن إلا بدائرة انتخابية واحدة من 33 دائرة وهي محافظة المنستير أحد أبرز معاقل أنصار النظام البورقيبي في البلاد، مؤكدا أن صعودها لأول مرة في البرلمان بعد ثورة 2011 "كان بفضل أكبر بقايا الأصوات".

اندثار سياسي
ويفسر الزبيدي تلاشي حركة "نداء تونس" الحاصلة على مقعد وحيد مقابل فوزها بالمركز الأول في الانتخابات الماضية بـ86 مقعدا بانقسامها لأحزاب صغيرة بسبب صراعاتها الداخلية، ومحاولة توريث نجل الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي قيادة الحزب.

أما الخاسر الأكبر بالنسبة إليه فهو اليسار الراديكالي أو ما تسمى "الجبهة الشعبية" التي انقسمت لمعسكرين متخاصمين على الزعامة لكنهما لم يحصلا إلا على مقعد من 66 قائمة انتخابية لهما، معتبرا أن "اليسار يعيش أزمة هيكلية ولم يطور خطابه".

ويتقاسم معه هذا الموقف المحلل السياسي محمد بوعود الذي يقول للجزيرة نت إن "اليسار هيأ لنفسه هذا السقوط المدوي بسبب عدم تطوير خطابه الكلاسيكي الذي لم يعد يجد صدى في المجتمعات وسط المتغيرات الحاصلة زمن الربيع العربي".

ويرجع أسباب تراجع ترتيب الأحزاب الوسطية كحركة نداء تونس وحزب آفاق وانقراض قوى حزبية أخرى لأزمة هيكلية تنخر تلك الأحزاب التي "لم تبنَ على أسس سليمة بقدر ما كانت عبارة عن دكاكين سياسية صيغت على عجل لاقتسام المصالح".

ولا يستبعد بوعود أن يتكرر هذا السيناريو مع أحزاب سياسية جديدة صاعدة مثل حزب "قلب تونس" الذي قال إنه "يحمل في طيات تأسيسه بذور التشتت والفناء باعتباره لم يتأسس على أرضية صلبة وإنما صيغ على عجل لخوض الانتخابات".

صعود اليمين
من جهة أخرى، أرجع بوعود صعود قوى يمينية يحسبها البعض على قوى الثورة مثل "ائتلاف الكرامة" الذي يرفع شعار تأميم الثروات الطبيعية ومحاربة الفساد إلى وجود حاجة لدى التونسيين للشعارات التي رفعت إبان الثورة والتي لم تتحقق بعد.

لكنه يعتقد أن البرلمان المقبل رغم تغير عناوين كتله سيحافظ على نفس مضمونه وأدائه وسيواجه تحديات كبرى أمام ما تشهده البلاد من أوضاع خانقة، متوقعا أن يشهد أيضا تشكيل الحكومة المقبلة صعوبات كبرى بسبب تشتت الكتل النيابية.

ويقول بوعود إن "تونس ستعيش أزمات متتالية في الفترة المقبلة نتيجة انعدام الثقة بين الأطراف الصاعدة للبرلمان الجديد، بالإضافة إلى انعدام البرامج للأحزاب المهيأة للحكم وغياب التناسق والانسجام بين البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية".

ومع توجه حركة النهضة الفائزة بالانتخابات التشريعية إلى تشكيل ائتلاف حكومي واسع وعريض يشمل عديد الكتل والأحزاب للوصول على الأقل إلى 109 أصوات لمنح الثقة للحكومة، يتوقع بوعود أن يكون هذا التحالف هشا وضعيفا أمام التحديات.

المصدر : الجزيرة