المعلم فروانة على حدود غزة.. تعليم على خط النار

 
رائد موسى-غزة
 
 
يقضي المعلم الفلسطيني يوسف فروانة حوالي عشرين دقيقة سيراً على الأقدام، للوصول إلى عمله في مدرسة "شهداء الشجاعية" القريبة من السياج الأمني الإسرائيلي شرق حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
 
هذا المواطن الذي يدرس مادة اللغة العربية منذ 12 عاماً لم يبدِ تذمره من العمل في هذه المدرسة الواقعة بمنطقة خطيرة لا يتوقف فيها صوت إطلاق النار وحركة آليات قوات الاحتلال.
 
ويصف فروانة (34 عاماً) للجزيرة نت عمله في هذه المدرسة بأنه "مقاومة" من نوع آخر، وقال "بالقلم والعلم نواجه ترسانة الاحتلال العسكرية، وسننتصر عليه".
 
يبدي حرصه الكبير على الحضور يوميا وعدم التغيب عن واجبه تجاه طلابه، إذ يضطر إلى السير على الأقدام في الأيام التي لا تتوفر فيها المواصلات إلى المدرسة التي يدرس فيها نحو ستمئة طالب بالمرحلة الثانوية.
 
مدرسة شهداء الشجاعية في مواجهة المنطقة الأمنية الاسرائيلية العازلة شرق غزة (الجزيرة)

تتعرض مدرسة "شهداء الشجاعية" -التي تبعد بضع مئات من الأمتار عن المنطقة الأمنية العازلة المتاخمة للسياج الأمني الإسرائيلي- لإطلاق النار من جانب قوات الاحتلال مراراً. تم احتلالها بالكامل خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة وتحولت إلى "ثكنة عسكرية" عام 2014.
 
وقال فروانة إن عمليات إطلاق النار المستمرة بشكل شبه يومي على السياج الأمني، فضلاً عن توغل آليات الاحتلال في محيط المنطقة، تخلق أجواء من الرعب والإرهاب تؤثر على تركيز المعلم والطلاب على حد سواء.
 
ويحرص المعلم خلال الإذاعة المدرسية الصباحية على بث روح التحدي والحماس في نفوس الطلاب، مخاطباً إياهم خلال تأدية تمارين الصباح "أسمعوا الأعداء أصواتكم أن هنا رجالا في الشجاعية".
 
وقال فروانة -الذي اضطر وأسرته إلى النزوح كغالبية أهالي الشجاعية خلال الحرب الأخيرة "حياتنا معرضة للخطر كل لحظة، لكن هذا الخطر لن يمنعنا عن تأدية رسالتنا السامية في تعليم الأجيال التي تمثل مستقبل فلسطين".
 
طلاب بمدرسة شهداء الأقصى يلوحون (الجزيرة)
وذات يوم، عندما كان يسأل أحد طلابه عن أسباب تراجع تحصيله الدراسي وعدم الالتزام بإنجاز الواجبات المدرسية، سأله الطالب "لماذا أدرس وقد أستشهد في أي وقت؟!". فأجابه "التعليم أقوى سلاح في معركة التحرير".
 
ويعتبر فروانة وزملاؤه من المعلمين أنفسهم في "خط الدفاع الأول" لأنهم يقومون بمهمة جليلة في ظل المخاطر اليومية التي قد يتعرضون لها. 
 
وبسبب الظروف الخطرة المحدقة بالمنطقة كل لحظة، يخضع طلاب المدرسة لدورات تدريبية حول الإخلاء الآمن والإسعافات الأولية.
 
وتتعامل مدرسة شهداء الشجاعية ومثيلاتها من المدارس الحدودية وفق "خطة طوارئ دائمة" حسب ما أكد مدير المدرسة نعمان سمارة. ويعتبر حي الشجاعية أكثر أحياء القطاع تقديماً للشهداء والجرحى، من بينهم طلاب ومعلمون، خلال الحروب والاعتداءات الإسرائيلية. 
 
سمارة: وجودنا في مدرسة شهداء الشجاعية مقاومة على جبهة التعليم (الجزيرة)
وقال سمارة للجزيرة نت إن هناك فريق "طوارئ" مهمته تنفيذ عملية الإخلاء السريع والآمن وقت الضرورة، منعاً للتزاحم والتدافع وتحسباً لوقوع ضحايا في أوساط الطلاب.
 
وأوضح أن المدرسين والطلاب أصبحوا "مدربين" على الإخلاء الآمن بحكم التجارب الكثيرة السابقة. وللمساهمة في سرعة الإخلاء، فإن أبواب المدرسة مفتوحة باستمرار للتعامل وفق تطورات الميدان إذا وقع أي "حدث أمني" بالمنطقة.
 
ووصف سمارة وجود هذه المدارس المتاخمة للحدود مع العدو بأنها "مقاومة على جبهة التعليم".
 
وتشرف وزارة التربية والتعليم على 409 مدارس بالقطاع، وبعضها اضطرت لبنائها بالجهة الشرقية المتاخمة للسياج الأمني بسبب لأن القطاع البالغة مساحته حوالي 360 كيلومتراً مربعاً هو الأعلى كثافة سكانية بالعالم. وتشرف وكالة الأمم المتحدة (أونروا) على إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في 274 مدرسة، بالإضافة إلى 54 مدرسة بالقطاع الخاص.
 
وأكد للجزيرة نت معتصم الميناوي المدير العام للعلاقات الدولية والعامة بالوزارة في غزة حرصهم على تزويد الأمم المتحدة بإحداثيات المدارس الحدودية، من أجل تجنيب المعلمين والطلاب أي مخاطر من قبل قوات الاحتلال.
المصدر : الجزيرة