مسكنات أم وعود حقيقية؟ هل يتحقق الإصلاح السياسي في مصر؟

السيسي يواجه احتقانا شعبيا كبيرا الفترة الأخيرة (رويترز)
السيسي يواجه احتقانا شعبيا كبيرا الفترة الأخيرة (رويترز)

محمد سيف الدين وأحمد حسن-القاهرة

بين عشية وضحاها تحول بعض مؤيدي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى "معارضين" وباتوا يطالبون بإصلاحات سياسية وإعلامية، بل فتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر.

هذا التحول -الذي طرأ على النظام ومؤيديه وخاصة ممن دعموه في الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي صيف 2013- دفع البعض للتساؤل حول جدوى تلك الإصلاحات ومدى جديتها، في ظل حالة القمع التي تشهدها البلاد واستمرار الاعتقالات التي تطال جميع التيارات والتوجهات.

ويقول مؤيدو النظام إن الإصلاح السياسي كان موجودا من قبل على أجندة الرئيس، ولكن الفترة الماضية كانت تتطلب تقديم الإصلاح اقتصادي نظرا للحاجة الشديدة إليه، وفق قولهم.

في المقابل، يرى معارضون أن الحديث عن الإصلاح السياسي في الوقت الحالي ما هو إلا محاولة لامتصاص حالة الغضب الموجودة بالشارع منذ 20 سبتمبر/أيلول الماضي والمطالبة برحيل السيسي، والتي من المرجح أن تنفجر في أقرب وقت في وجه الجميع.

وعود.. تطمينات
وتزامنا مع تصاعد موجة الاحتجاجات، تزايدت دعوات مقربين من النظام للمطالبة بإصلاح سياسي ومجتمعي للتخفيف من حدة التوتر في الشارع.

ففي مقال له مؤخرا، قال ياسر رزق الكاتب المقرب من السيسي إن لديه إشارات ومعلومات عن "إصلاح سياسي منشود" مضيفا أنه يكاد يرى في الأفق شيئا ما كبيرا "لعله مبادرة تكتمل، أو برنامج يتبلور، أو رؤية تختمر" يقدمها الرئيس "تدفع بالإصلاح السياسي خطوات واسعة للأمام".

كما طالب البرلماني مصطفى بكري (المقرب من النظام) الرئيس بعقد مصالحة وطنية مع الشعب، وحذر من تداعيات الحراك الشعبي الأخير وتسببه في تكرار سيناريو 25 يناير/كانون الثاني 2011، داعيا السيسي -خلال جلسة لمجلس النواب- إلى الاستماع لمشاكل الناس.

وفي الجلسة ذاتها، أعلن رئيس البرلمان علي عبد العال عن إصلاحات سياسية واقتصادية وإعلامية قريبا، دون أن يكشف مزيدا من التفاصيل.

بدوره أكد حسام الخولي الأمين العام لحزب "مستقبل وطن" صاحب الأغلبية البرلمانية أن الإصلاح السياسي والحزبي والإعلامي الفترة المقبلة ضرورة ملحة، ويأتي في التوقيت الصحيح، مشيرا -في تصريحات صحفية- إلى أن البلاد كانت الفترة الماضية تمر بمرحلة حساسة وكان الإصلاح الاقتصادي له الأولوية.

كما تنتشر بالأوساط الصحفية حاليا أنباء عن التعجيل بالانتخابات النيابية والمحلية، أو تعديل وزاري مرتقب قد يطال 12 وزيرا أغلبهم من الوزارات الخدمية مثل التموين والصحة والتعليم والتضامن الاجتماعي والتنمية المحلية، فضلا عن تغيير بعض المحافظين.

تخفيف الاحتقان
يعتقد د. ممدوح المنير مدير ومؤسس المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية أن التصريحات حول الإصلاح السياسي أو الوعود الاقتصادية ما هي إلا محاولة لتخفيف آثار الاحتقان الداخلي الذي زاد بعد ظهور المقاول محمد علي وحديثه عن الفساد داخل النظام وتحريضه على إسقاط الرئيس ونظامه.

ووصف -في تصريح للجزيرة نت- الحديث عن إصلاح سياسي وإعلامي، بأنه محاولة "يائسة" موضحا أن النظام الحالي مفلس سياسيا واقتصاديا، ولا يوجد ما يقدمه للمواطنين سوى العصا الغليظة.

بدوره يرى الباحث عمار فايد أن إجراء إصلاحات، شكلية ذات طابع اقتصادي بالأساس، تهدف لنزع مهاجمي النظام بعضا من أسباب هجومهم.

وقال "هذه التطورات فتحت بصورة جدية مرحلة نهاية حكم السيسي، لكن تطورها سيتوقف على مدى تبلور مظلة معارضة سياسية ملائمة قادرة على طرح بدائل وفتح مسارات للمستقبل، وربما قادرة على فتح قنوات اتصال مع أطراف داخل الدولة".

ومن جهته، استبعد قطب العربي الأمين العام المساعد السابق للمجلس الأعلى للصحافة أن تشهد البلاد الفترة المقبلة أي محاولة جادة من قبل النظام لفتح المجال للإعلام.

وقال في حديثه للجزيرة نت "النظام القائم من الصعب أن يعيش في ظل حرية الإعلام" موضحا أن السيسي سبق وألمح في تصريحات له أنه مغرم بإعلام الصوت الواحد كما حدث في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

حديث العربي جاء تعليقا على مطالب ووعود الانفتاح الإعلامي التي تحدث عنها إعلاميون مقربون من النظام على رأسهم رزق، فضلا عن بكري الذي طالب بإبرام مصالحة مع الصحافة التي تحولت إلى "إعلام المنع والمنح" مضيفا "مطلوب إيقاف الحرب الخفية ضد أي أحد يقول رأيه، هذه ليست مصر التي ضحينا من أجلها، ومن يدير الأمور من وراء ستار سنقول له حاسب".

خطة طريق
عدد من النشطاء والسياسيين والصحفيين تفاعلوا مع موجة الحديث عن الإصلاح السياسي، ورغم قناعتهم بأنها مجرد محاولة للالتفاف على الغضب الجماهيري المتصاعد، غير أن بعضهم قدم نصائح وخطوات يمكن أن يتبعها النظام إذا كان جادا.

وأكد الكاتب الصحفي أنور الهواري أنه لن يكون هناك معنى للإصلاح دون العدول عن التعديلات الدستورية التي جرت في مارس/آذار الماضي، والتي مددت فترة رئاسة السيسي، ووضعت الجيش فوق الدولة وتلاعبت باستقلال القضاء.

وأضاف الهواري -عبر موقع فيسبوك- أنه إذا كانت هناك مصداقية للخروج من الأزمة الحالية يجب الإقدام على هذه الخطوة الشجاعة، وهي إلغاء التعديلات الدستورية، ثم إعلان احترام الدستور والالتزام به، ثم تشكيل البرلمان والحكومة الجديدين، ثم الانتخابات الرئاسية في موعدها 2022، وفقا للدستور قبل التعديل وليس بعده.

إضافة لما ذكره الهواري، يؤكد عز الدين الكومي وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى (سابقا) أن عملية الإصلاح السياسي تطلب أيضا إلغاء كافة القوانين "سيئة السمعة" وعلى رأسها قانون منع التظاهر وتحصين القيادات العسكرية وغيرها من المساءلة القانونية، فضلا سن أكثر من ثمانمئة تشريع أقرها البرلمان دون مناقشة.

وأشار البرلماني السابق -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن فكرة الإصلاح السياسي ستبقى مجرد عبث وحديث لا فائدة ترجى من ورائه، إلا بالاستجابة للمظاهرات التي خرجت وتطالب برحيل السيسي، ولكنه في الوقت ذاته استبعد ذلك. 

كما وضع الكاتب الصحفي محمد الجارحي عشرة حلول، مؤكدا أن "كل المسكنات استخفاف بعقول الناس، لأن المشكلة أكبر، وطريقة المعالجة واختيار من يروج لها أكبر دليل على أن القائمين على أمر هذا الوطن أخذتهم العزة بالإثم".

أما محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحفيين فيؤكد أنه لا يجوز الحديث عن إصلاح سياسي قبل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، مؤكدا -عبر موقع فيسبوك - أن "ما دون ذلك لا يعدو كونه حشوا وطنطنة لتجميل الصورة والتنفيس عن الغضب".

ووفقا لحصر حقوقي، تجاوز ثلاثة آلاف شخص عدد المعتقلين على خلفية أحداث 20 سبتمبر/أيلول الماضي المطالِبة برحيل السيسي، فضلا عن ستين ألفا آخرين يقبعون في السجون منذ الإطاحة بالرئيس الراحل صيف 2013.

التغيير وليس الإصلاح
الحديث عن تزايد أعداد المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة، يراه الباحث بالشؤون السياسية والأمنية أحمد مولانا دليلا على وصول الاحتقان لدى عموم الشعب إلى درجات خطيرة.

مولانا شدد -في حديث للجزيرة- على أن كل دوافع ثورة يناير موجودة حاليا بل تزايدت، وأن النظام لم يعد يحظى بأي شرعية، ويحتفظ بسلطته عبر القمع فقط، وهو ما يجعل الانفجار الشعبي مسألة وقت فقط.

كما اعتبر الباحث السياسي هشام جعفر أن "رسائل أحداث سبتمبر" عميقة لكل الأطراف، مؤكدا أن النظام في مأزق كبير "فمستقبله مرهون بالقدرة على قراءة رسائل سبتمبر وكيفية الاستجابة لها".

وقال جعفر -عبر موقع فيسبوك- إن سؤال التغيير والإصلاح الذي دشنته الثورة ما يزال مطروحا، ولم تفلح في القضاء عليه المحاولاتُ الدؤوبة من أطراف كثيرة دولية وإقليمية ومحلية.

دوائر غاضبة
بدوره يؤكد الباحث والناشط السياسي عمار فايد أن الأحداث الأخيرة أطلقت مناخا للعمل الإعلامي والميداني والسياسي ضد السيسي، متوقعا تصاعده خلال الأسابيع والأشهر القليلة القادمة. 

وذهب فايد -في حديثه للجزيرة نت- إلى أبعد من ذلك بالقول إنه من المرجح أن يلاقي ذلك ترحيبا ودعما من "الدوائر الغاضبة حول السلطة". 

غير أنه توقع أن تظل القبضة الأمنية محكمة بما يمثل عائقا أمام حركة الشارع، مستدركا "لكن الأجهزة الأمنية لن تتمكن دائما من احتواء موجة الأمل في التغيير، وستكون عرضة للاستنزاف مع مرور الوقت".

ونصح فايد الغاضبين بقوله إن الإطاحة بالرئيس الحالي تتطلب مزيدا من الوقت والإصرار، وتحتاج من يوجه الشارع وينظم حركته وغضبه، معتبرا أن "ما خسره السيسي الأسابيع الماضية لم يكن متوقعا بهذه السرعة ولا يمكنه ترميمه، وهذا أحد أسباب قلق النظام".

وفي بيان للتعليق على الأحداث، رأت حركة الاشتراكيين الثوريين أنها (أحداث سبتمبر) ليست دليلا على انهيار وشيك للنظام، ولكنها مؤشرٌ لحدوث نقلة نوعية في حالة الغضب الجماهيري.

غير أنها استدركت بالقول إن هذه النقلة النوعية لن تُترجم إلى ثورة شعبية بين ليلة وضحاها، ولكنها بالتأكيد ستتحول إلى الآلاف من الاحتجاجات الصغيرة والمحدودة في أماكن العمل والدراسة والسكن، وهذه هي الثغرات التي يمكن من خلالها إعادة بناء معارضة جذرية ومنظمة للديكتاتورية العسكرية.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة