جرائم بلا عقاب.. فلسطينيو 48 ضحايا غياب القانون

اعتصام ببلدة مجد الكروم يطالب بمكافحة فوضى السلاح والحد من الجريمة (الجزيرة)
اعتصام ببلدة مجد الكروم يطالب بمكافحة فوضى السلاح والحد من الجريمة (الجزيرة)

محمد محسن وتد-أم الفحم

بلوعة وحسرة شقت الستينية عائشة مناع، والدة الشقيقين أحمد وخليل مناع اللذين قتلا بجريمة إطلاق نار في بلدة مجد الكروم في شمالي فلسطين، صفوف الألوف من فلسطينيي 48 الذين أطلقوا صرخة "جمعة الغضب" احتجاجا على تقاعس الشرطة الإسرائيلية في مكافحة العنف والجريمة.

تعكس ما تعيشه عائشة مناع معاناة عشرات العائلات من فلسطينيي 48 الذين نُكبوا هذا العام بالعنف والجريمة، حيث قتل منذ مطلع العام الجاري 73 شخصا بينهم 11 امرأة، غالبيتهم العظمى بجرائم إطلاق نار لينضموا إلى 1385 عربيا قتلوا بجرائم عنف منذ قرار الحكومة الإسرائيلية فتح مراكز للشرطة بالبلدات العربية عقب الانتفاضة الثانية في أكتوبر/تشرين الأول 2000.

واحتجاجا على جرائم القتل، خرجت مسيرات ومظاهرات ببلدات الداخل الفلسطيني تطالب بمكافحة فوضى السلاح وسياسة اللاعقاب التي تجعل المجرمين في مأمن إذا سفكوا دم الفلسطينيين.

وتقدر الإحصائيات الرسمية انتشار أكثر من 600 ألف قطعة سلاح دون تراخيص بين المواطنين العرب، وهي الظاهرة التي ساهمت في تجذر العنف وإشاعة الجريمة وترويع المواطنين العرب، في ظل تقاعس شرطة الاحتلال بما حفز إنشاء عصابات للجريمة المنظمة في البلدات العربية.

وخرجت الجماهير عن صمتها حين وجهت انتقادات شديدة اللهجة لعناصر الجريمة المنظمة بالبلدات العربية، وحمّلتهم مسؤولية سفك دماء المواطنين العرب برعاية وحماية الشرطة الإسرائيلية التي تمتنع عن فك رموز جرائم القتل، ورفعوا شعارات "نحن ضحايا عنفكم" و"نسدّ الشوارع ضد العنف والجريمة".

إغلاق الطرقات الرئيسية بمداخل البلدات العربية شمالي فلسطين في "جمعة الغضب" (الجزيرة)

إشاعة الفوضى
واتهم المحتجون مؤسسات الاحتلال وأجهزة الشرطة والأمن، داعين إلى إغلاق مقرات الشرطة بالبلدات العربية حيث وصفت بأنها "مقرات إرهابية"، وحمّلوها المسؤولية عن إشاعة الفوضى والإحجام عن إنفاذ القانون، وذلك بغرض تفكيك المجتمع العربي الفلسطيني وسلخه عن قضاياه الجوهرية.

وخص أئمة المساجد خطبة صلاة الجمعة بالحديث عن المخاطر المحدقة بالمجتمع العربي الفلسطيني بالداخل جراء العنف والجريمة، وحثوا المواطنين على الوحدة ورص الصفوف لمواصلة الاعتصام والاحتجاج السلمي، وممارسة الضغط على المؤسسة الإسرائيلية لوقف شلال الدماء واجتثاث العنف وجمع الأسلحة.

ويأتي هذا الحراك الذي يرفع مطلبا بإعلان حالة الطوارئ والبدء بعصيان مدني متدرج، تلبية لدعوة لجنة المتابعة العربية العليا واللجان الشعبية والحراك الشبابي، وحملت المظاهرات التي شهدتها أربعون بلدة بالداخل الفلسطيني عناوين "مكملين" و"الجمعة نغضب لأنفسنا" و"مداخل البلدات هي مخارج الأزمات".

جريمة مزدوجة
وتتطلع الفعاليات الجماهيرية إلى نصب خيام اعتصام في المدن الكبرى لمناهضة العنف والجريمة، وتنظيم مظاهرات بالمدن الإسرائيلية وإغلاق الطرقات الرئيسية بالبلاد والاعتصام قبالة الكنيست ومباني الحكومة بالقدس المحتلة.

ومع اتساع دائرة الاحتجاجات ضد المؤسسة الإسرائيلية، تشكو عائشة مناع بصدمة ودموع مقتل ولديها وتحمّل الشرطة الإسرائيلية مسؤولية فوضى السلاح، متسائلة "من سيعيد لي ولدي؟ قتلوهم في وضح النهار، فالجريمة المزدوجة وقعت بالقرب من مركز الشرطة في القرية وقد افتتح قبل فترة وزادت معه الجرائم ومظاهر العنف".

لافتات على مداخل البلدات العربية تهاجم من يروج للسلاح والقتل (الجزيرة)

لم تكن الجريمة المزدوجة التي داهمت عائلة مناع هي الوحيدة، إذ سجلت 11 جريمة قتل بغضون الأربعة أسابيع الأخيرة، وجميعها نفذت بالأسلحة والبنادق.

وتقول الأم الثكلى "أصبح السلاح في بلداتنا في متناول الجميع مثل شرب المياه، لا ندري ما العمل.. فخلاف مالي بسيط قد يكلفك حياتك أو حياة أحد أولادك، فمن يعيد لي ولدي؟ فأنا مستعدة لبيع بيتي وأراضي وكل ما أملك ليعود ولدي للحياة".

أمن المجتمع
وبمشاعر مختلطة بين الغضب والألم، اصطحبت فاطمة مناع زوجة القتيل أحمد مناع طفليها بين الحشود الذين توافدوا للتضامن مع عائلات ضحايا الإجرام وللاحتجاج على تواطؤ الشرطة الإسرائيلية مع عصابات الجريمة المنظمة التي تفتك بالنسيج المجتمعي وتهدد الأمن والسلم المجتمعي، قائلة في حديثها لوسائل الإعلام "ماذا أقول لطفليّ؟ وما ذنبهما أن يعيشا من دون والدهما؟".

وتوجهت الأرملة لكل من يحمل السلاح ويطلق النار على الناس ويروع المواطنين بالقول "بماذا تفكر يا حامل السلاح عندما تقدم على قتل إنسان؟ ومن الذي منحك حق ذلك؟ القوة والرجولة ليست بالسلاح، فأي فتى يمكنه حمل السلاح وإنهاء حياة أي إنسان".

وفي محاولة منها للتخفيف عن مصابها، تستذكر فاطمة مناع أن هناك آلاف الأطفال في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا فقدوا آباءهم، لكنها تقول "هم أيتام لأن آباءهم أو أمهاتهم استشهدوا في الحروب، لكننا هنا بالبلدات العربية نقتل بعضنا بعضا لأتفه الأسباب وحتى من دون أسباب".

المصدر : الجزيرة